سريالي

    مذكرات محنط الأحياء

    أحمد المظلوم

    تبدأ حياتي عندما أنهي أخرى.. فهكذا وهكذا فقط أعيش لأشعر بالكمال وأتنفس عطر السعادة الأبدية، أولئك المعتوهون المغلوبون على أمرهم يأتون إلي على أمل أن أرشدهم إلى الطريق الصواب نحو المستقبل البراق، لكن هيهات أن أفعل ذلك، فمهنتي غير المعلنة هي تحنيط الأحياء، وهذا ما أسعد بالقيام به.

    لا يغالبني أي شك بأن الفراعنة سيفخرون بي بسبب ما توصلت إليه من إبداع في التحنيط، إذ ارتقيت بهذا الفن - إن صح التعبير - إلى مستويات خارقة! كنت في ما مضى شخصاً مليئاً بالنشاط، ورسمت لنفسي مستقبلاً باهراً، لكن مع تقلبات الدهر التي لم ترحمني أصبحت شخصاً بائساً سوداوياً لا أملك القدرة على إلهام ذبابة حقيرة!

    ومنذ ذلك اليوم أقسمت على أن أكرّس ما تبقى من حياتي لبث ألوان السموم في نفوس البشر، فالحياة سلبت مني الحياة، فلماذا لا أسلب من الناس حياتهم؟ لعمري لو كنت قادراً على الوصول إلى شعور «النيرفانا»، إلى الانطفاء الكامل من الشعور لأخمد هذه الرغبات السيئة التي تراودني حيال البشر، لقمت بذلك بلا تردد، لكنني كائن وضيع أجد المتعة والسلوان في ما أقوم به.

    كما لدي موهبة عجيبة في شم رائحة الطاقة والطموح عند الناس، خصوصاً أولئك الشباب المتوهجين بالحماسة لأمتص منهم كل ما سبق عن طريق بث الشعور بالإحباط شيئاً فشيئاً فيهم، بقول إنهم ليسوا بكفؤ لقيادة المستقبل، وإن أحلامهم الجامحة ستقودهم إلى الهلاك في نهاية المطاف، ولكي أصدقكم القول، ففي قرارة نفسي أعلم أنهم قادرون على قلب الطاولة على المستقبل إن أرادوا، لكن أنا قلبي ممتلئ بالغيرة والغيظ عليهم. لهذا أجد لذة عميقة أثناء تأديتي عملي، وأنا أطوقهم بالكتان من أخمص القدمين إلى الرأس بتأني سلحفاة وصبر فيلسوف، وهؤلاء المساكين ليس لديهم أي دراية بالجرم الذي أرتكبه بحقهم!

    ولأنني فنان مخضرم، أقوم بتخديرهم بإلقاء بعض التعويذات عليهم، مثل: «لن تكون أفضل مما أنت عليه اليوم» أو «الحياة ضمنت لك الراحة فلماذا ترهق نفسك؟»، وتلك واحدة من أهم الخطوات الخبيثة في مسعاي - إن لم تكن أهمها - وهم يبتسمون في وجهي تلك الابتسامة البلهاء، وأنا أقابلهم بمثلها لحين إنجاز مهمتي.

    الآن فرغت منكم وقد حولتكم إلى مومياوات حية، ها أنتم بوجوهكم المتغضنة وأبصاركم الزائغة ترقبون مني الخلاص، لكن هيا لكم شرف المحاولة للخروج من نعشكم الرمادي هذا! سأراهن بحياتي بأن ذلك ليس بالمستطاع، وستعيشون مرارة الحياة كما عشتها أنا، وستلبون كل نداء مني على وجه السرعة، هل تسمعون؟ لن تتوقف مهمتي الخالدة عند هذا الحد؛ لذلك أحذر الجميع بأنهم ليسوا بمأمن مني بمن فيهم صاحب هذا العمود، فأنا لست أحد، وأنا كل أحد، ستجدونني في كل الأزمان والأماكن.. في مؤسساتكم التي تعملون بها.. في بيوتكم التي تعيشون فيها.. أو قابعاً في عقولكم.. «ترقبوا كل شي وتوقعوا أي شيء».

    ولأنني فنان مخضرم، أقوم بتخديرهم بإلقاء بعض التعويذات عليهم مثل: «لن تكون أفضل مما أنت عليه اليوم»..

    Ahmed_almadloum

    طباعة