5 دقائق

تقبل اللهُ حَجَّكم

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

أتم الحُجاج حجهم، بعد أن قضوا تفَثَهم ووفوا نذورهم، وأدوا الشعائر رَغَباً ورَهَبا، وكلهم يرجو أن يكون قد غُفِر ذنبه ورجع من حجه نقياً من الذنوب كيوم ولدته أمه، كما بشرهم النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فهنيئاً لكم معشر الحجاج، وبارك الله لكم فيما منحكم من توفيق وهدى، وأخلف نفقتكم وغفر ذنوبكم، فقد بشركم الله تعالى بمغفرة شاملة حينما قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾. فقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب فكيف بالحج؟!». وقال مجاهد «كلهم مغفور له». وقال ابن عمر: «رجع مغفوراً له». وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الحج يهدم ما كان قبله».

نعم يهدم السيئات ويهدم المؤاخذات على التقصير في الواجبات، ذلك أن الحاجَّ قد عاهد ربه على الإنابة إليه، والوقوف عند محارمه وحدوده، حينما كرر التلبية وكرر قائلاً: «لبيك اللهم لبيك»، أي أقمتُ على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لبَّ بالمكان وألبَّ إذا أقام به، فلم يكن قوله ذلك غُفْلاً، بل كان بعزم ونية، وحيث كانت نيته سليمة مؤكدة على هذه التوبة فإنه سبحانه يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، وقد وعد في غير ما آية بقبول توبة التائبين، كقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. لأنه سبحانه يريد من عباده أن يتوبوا حتى يتوب عليهم؛ فهو غني عن عذابهم، لا يريد أن يعذبهم إذا أقبلوا عليه وأنابوا إليه، وذلك ما أراده الحُجاج من حجهم، ولذلك كان الحج خامس أركان الإسلام، وواجب العمر على التمام، حتى يختم المسلم عمره بهذه التوبة الصادقة التي أشهد عليها الإنس والجن والملائكة، وأشهد اللهُ تعالى عليه ملائكتَه، فكان على من تشرف بأداء هذا النسك العظيم، ووقف موقف الغِبطة بعبادة أدنته من مشاهد الآخرة، وأَنْسته فوارق البشرية، وأشعرته بضعفه وحاجته لمولاه، وألَّفت بينه وبين إخوانه المؤمنين؛ عليه أن يفي بما عاهد الله عليه حتى يكون من الأوفياء الذين يحبهم الله تعالى وكما أمر سبحانه بقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. والوفاء من العبد التزام، ومن الرب عطاء وكرم، وما أحوج العبد إلى عطاء ربه وكرمه الذي لا ينفد، ولا يدخل تحت حصر وعدّ.

إن منسك الحج جمع كل معاني العبودية لله تعالى، فهو عبادة قلبية وبدنية ومالية وخُلُقية وروحية، فكان فضله عظيماً يستوجب أن يستشعر المرء هذه الكرامة التي نالها، وقد حرم منها الكثير من المسلمين، لعدم استطاعتهم، فكان لزاماً على العبد إذا انقلب من حجه أن يكون مثالياً في التزامه بما عاهد الله عليه، فلا يُغيِّر حالاً كان عليه في الحج إلا إلى الأفضل والأكمل، لأن ذلك هو برهان قبول حجه ونيل بِر الحج العظيم، كما قالوا: ثواب الحسنةِ الحسنةُ بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بعدُ بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى، كما أن من عمل حسنة ثم أتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها، وهو معنى الاستقامة التي أمر الله تعالى بها عباده، وأثابهم عليها ثواباً عظيماً، فإن لم يفعل ذلك فإنه يكون كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، وذلك أعظم الحُمق، ويكون نظر الناس إليه نظر المستخف، وهذا ما لا يريده المرء لنفسه، بل يأنف من ذلك، فكان الوفاء بالعهد والاستمرار على الاستقامة هو غاية الشرف الذي يحرص الموفقون له، وما من أحدٍ إلا وهو يريد أن يكون موفقاً للخيرات.

فينبغي لك أيها الحاج الموفق ألا تستجيب لصوارف الوفاء وقُطَّاع طرق الاستقامة، بل أن تجاهد نفسك على الثبات حتى الممات، وأنت لا تدري متى يكون ذلك، فاحرص على ما ينفعك واستعن بالله.

رزقنا الله جميعاً القبول والاستقامة، وأبعدنا عن مواقف الخزي والندامة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة