«الجزء الثاني»

تجربتي كمشرد

أحمد المظلوم

حسناً، علي أن أعترف بأنني لم أتلقّ أي رسالة مهمة غيّرت مجرى الأحداث بالكامل، كما ذكرت في الجزء الأول من المقال، فالحظ المتعثر ظل يلازمنا ولم يتغير شيء «ايموجي يضحك»، لكن إليكم ما حدث فعلاً:

الساعة الثانية عشرة ظهراً، الطقس كان مشمساً والناس كانوا مبتهجين يرقصون ويغنون في سعادة، وكأنه آخر يوم في حياتهم! أثناء هذه الأجواء الاحتفالية قررنا الذهاب إلى شيلرستراسه، أو كما يطلق عليه العرب «الحي التركي»، لنطالع المارة ونشاركهم الحماس. هناك عربة كبيرة مرت من أمامنا تحمل عشرات الناس الذين يلوحون بأيديهم نحونا، والموسيقى البافارية الشعبية تصدح من مكبراتها! وقفنا هناك لبعض الوقت ثم توجهنا إلى ساحة مارين بلاتز ثم إلى الحديقة الإنجليزية. حتى هذه اللحظة كان كل شيء يسير على ما يرام، وكانت خطتنا الأساسية أن نحتفظ بطاقتنا قدر الإمكان مع الاستمتاع بهذه الأجواء لكي لا يداهمنا النعاس، فكما تعلمون أين مرقدنا إذا حضر الجنتلمان نوم!

الساعة السابعة مساء، هبط الليل علينا ولايزال الناس في هرج ومرج، هربنا من هذا الصخب لنتناول وجبة العشاء في مطعم طربوش الشهير، الواقع بالحي التركي، ونحن نحسب آخر يورو تبقى لنا! ومن ثم توجهنا إلى مدينة الملاهي لقضاء أوقات ممتعة ولنشغل أنفسنا إلى أن يحين الصباح!

الساعة الثانية عشر من منتصف الليل، اتصل بنا موظف الفندق معتذراً بأنه لا يستطيع الإبقاء على حقائبنا في الفندق، عدنا إلى هناك متعبين مرهقين متمسكين بآخر ذرة طاقة تبقت لنا، أخذنا الحقائب وتوجهنا إلى محطة القطارات الرئيسة «الهوبت بانهوف»، حيث يملكون خزائن ضخمة لحفظ الأمتعة. ثم عدنا إلى مدينة الملاهي، حيث تجتمع المدينة كلها في هذه الساعة، وجدت أن المكان أصبح غير آمن، فالعنف بدأ في التزايد، فهذا أنفه مكسور إثر مشاجرة، وقد لطخ الأرض بدمائه، وذاك يزعق ويسبّ الجميع بلا دراية، اقترح علي صديقي أن نمشي الهوينا حتى نخرج بسلام ونعود أدراجنا إلى محطة القطارات.

الساعة الثانية صباحاً، محطة القطارات الرئيسة، ستاربكس، رأسي أثقل من جبل، فأنا لا أستطيع حمله من على الطاولة لأتحدث مع صديقي، و لو شربت خمسين «دبل اسبريسو!»، حاولت أن أصارع التعب، وفي محاولة يائسة أخذت أذرع المقهى جيئة وذهاباً، لكي يطير النوم من عيني لكن لا فائدة، «حسناً، سأقوم بذلك ولا يهمني رأي الناس» قلت لصديقي، ثم فوراً اتجهت إلى ركن الخزائن، فهناك وجدت أن الأرضية نظيفة إلى حد ما والمكان هادئ، فرشت حقيبة الظهر التي كنت أحملها على الأرض واستلقيت، ثم وضعت الحقيبة تحت راسي، آه يا له من شعور، فلقد غرقت في نوم عميق جميل، وكذلك فعل صديقي، لكن هيهات أن يستمر ذلك طويلاً.

الساعة السادسة والنصف صباحاً، استيقظت من نومي كالمفزوع من صوت الخزائن التي كانت تفتح وتغلق بشدة مع سبق الإصرار والترصد من قبل الموظفة، كأنها تتعمد فعل ذلك لإيقاظنا، نفضت الغبار عن ملابسي وتوجهنا إلى الحمامات العامة لنغتسل، ثم بدلنا ملابسنا، فاليوم يوم جديد، وقد تبقت لدينا ست ساعات على موعد طائرة العودة، على إثر ذلك قررنا زيارة قصر نومفمبرغ الساحر، لنمشي بتبختر كالملوك في ساحاته وحدائقه، وكأننا لم نكن مشردين بلا مأوى قبل وقت قصير!

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة