5 دقائق

الزاد في السفر

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

تشتد الحاجة هذه الأيام للتزود بأحكام السفر؛ نظراً لحال الناس الذين يستغلون فرصة العطلة الصيفية واشتداد حرارته للسفر بحثاً عن الراحة والاستجمام، وهم مع ذلك على صلواتهم يحافظون، وبأخلاقهم متمسكون، ولرضا ربهم يتطلعون، فنسأل الله لنا ولهم التوفيق، ونستودعهم الله الذي لا تضيع ودائعه.

وأول ما ينبغي التزود به هو معرفة حكم السفر، فقد يكون طاعة أو مباحاً أو معصية؛ فإن كان لأداء طاعة من نسك أو صلة رحم أو طلب علم؛ فهو سفر طاعة يثاب المرء فيه على كل حركة، وكل وقت يقضيه، وكل نفقة فيه.

وإن كان لغرض التسلية والراحة والاستجمام أو الاستشفاء فهو سفر مباح، وقد ينقلب إلى طاعة إذا قصد به النظر في ملكوت الله تعالى والاستدلال به على قدرته وجميل صنعه، ككل أمر مباح إذا أريد به وجه الله تعالى، وهذان النوعان هما اللذان يترخص المرء فيهما بجميع رخص السفر، «فإن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تترك معصيته»، وفي رواية «كما يحب أن تؤتى عزائمه».

وقد يكون الباعث له هو التلهي بالمعاصي والانفلات من الواجبات؛ فيكون سفر معصية من حين السفر إلى الرجوع منه، أو التوبة من هذه النية وسوء الفعل، وهذا النوع لا يبيح الترخص بشيء من رخص السفر حتى لا يعان على المعصية.

ورخص السفر عدها الفقهاء ثمانية، أهمها هنا:

القصر والجمع للصلاة الرباعية، وشرط ذلك أن يكون السفر طويلاً، أي 78 كيلومتراً فأكثر، وأن يكون بعد الخروج من البلد، فمن كان في مطار البلد كمطار دبي وهو منها لا يحل له القصر؛ لأنه لم يضرب في الأرض بعد، وهو شرط له بنص الآية الكريمة، وله أن يجمع تقديماً - قبل السفر - بين مشتركتي الوقت وهما العصران والعشاءان، إذ كان قد دخل وقت الأولى، وظن أن وصوله سيكون بعد خروج وقت الثانية، ولا يتمكن من الصلاة على وجهها في الطائرة، وله أن يؤخرهما إلى حين وصوله إذا علم أنه سيصل ووقت الثانية باقٍ، فيبدأ بالأولى ثم الثانية ما لم يخش خروج وقت الثانية، فإن خشي صلاها وقضى الأولى، وكان معذوراً لخُلف ظنه، فإن كان مكثه في البلد الذي وصل إليه مدة إقامة وهي أربعة أيام غير يومي الوصول والسفر، انقطعت رخص السفر في حقه من حين الوصول، وإن كانت أقل من ذلك أو كان يتوقع السفر كل يوم، أو كان متنقلاً بين البلدان، وبين البلد والآخر مسافة قصر؛ استمرت رخصة السفر في حقه مادام كذلك.

ومن أهم أحكام السفر تحري الحلال من الطعام والشراب، فإن هذا من أهم المشاكل التي تواجه المسلم في البلاد غير الإسلامية، حيث يختلط الحلال بغيره، أو يشتبه أو قد لا يوجد، وذلك في اللحوم أو الدهون، فعلى المسلم أن يكون حريصاً جداً على ما يدخل في جوفه، فإن أمر الله تعالى في ذلك أكيد وشديد، فقد أوجب الأكل من الحلال، وحرم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة.. وهذه الأنواع هي أكثر لحوم البلاد غير الإسلامية، فعلى المسلم أن يتحرى الحلال ويصبر على نفسه إن لم يجده، وله بما أحل الله تعالى من صيد البحر أو البقوليات الأخرى غُنية عن تلك الخبائث.

ومن المهمات للمسافر المسلم أن يحرص على معرفة الأوقات وتحديد جهة القبلة، ولا تشغله طلعاته وتنزهاته عن فرائض الله تعالى، بل يحافظ على الصلوات حتى يكون كل موضع من أرض الله سجد لله فيه شاهداً له عند ربه، وحتى يحيي تلك الأرض بذكر الله تعالى.

ومن أهم المهمات أن يستشعر المسلم وهو في البلاد غير الإسلامية أنه رسول سلام ومحبة ووئام للبشر، فيريهم محاسن الإسلام وأخلاقه وقيمه العظيمة في التعايش السلمي والتعاون المثمر لمصالح البشر، ليزيل بذلك الصورة المشوشة للإسلام والمسلمين لدى تلك الديار.

ولا يغفل عن الأذكار ودعاء الأسفار فإن دعوة المسافر مستجابة، فما أحوجه للتحصن بالأذكار عن الأخطار وطوارق الليل والنهار!

أوصلكم الله سالمين، وردكم غانمين.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة