سريالي

إنسان الاتجاهات

أحمد المظلوم

يقف إنسان الاتجاهات في نقطة الصفر حائراً، تحاصره لافتات من كل جانب تشير إلى اتجاه معين. يقول في نفسه «لابد أن أسلك أحد هذه الاتجاهات حتى تصبح حياتي ذات معنى وغاية»، يتساءل ذلك المسكين حينها: من أنا وماذا أريد أن أكون؟ أين طريقي؟ فها هنا في الجنوب لافتة كتب عليها «مؤسس شركة رائدة في صناعة الروبوتات المسافة 500 كم»، وأخرى في الشمال كتب عليها بخط عريض «بطل العالم في السباحة.. المسافة 200 كم»، أعجبته الأخيرة فقال ضاحكاً باستهتار«هه تلك ليست بالمسافة البعيدة، لكن يجب أن أتخذ قراراً الآن، في النهاية لابد أن أسلك طريقاً ما، وجهة ما». أثناء غرقه في تأملاته اعترته نشوة غريبة، وهي بسبب أنه قد تخيل نفسه بطلاً للعالم في السباحة، وقد باغتته فكرة لمعت في ذهنه كالبرق أنه ولد لأجل ذلك، فورا وبلا هوادة لم ينظر «إنسان الاتجاهات» للوراء ولم يفكر مرة أخرى، بل أسرع الخطى نحو ذلك الطريق مشرق المزاج، فاجتاز أول كيلومتر يمشي مسرعاً حتى قد أقول إنه يجري متلهفاً ونفسه مملوءة بالتفاؤل والسعادة، يقول في نفسه «هذا ما أردت فعله في حياتي، سأكون الأفضل في العالم، سأريهم ما أنا قادر عليه، سأعبر المحيطات والبحار سباحة حتى يظنوا أنني أصبحت حوتاً، سيفتخر بي الجميع، ثم صرخ بأعلى صوت.. أنا بطل العالم في السباحة». لكن ما أن اجتاز الـ50 كيلومتراً الأولى حتى بدأ يتسلل الملل إلى نفسه، ثم بدأ يمشى مطرق الرأس حزيناً، يعاتب عقله لماذا خدعه وخيل إليه أنه ولد لهذه الغاية، ثم تشنج ثم سقط على وجهه، ثم لملم شتات روحه الممزقة وعاد أدراجه إلى نقطة الصفر قلقاً، وقد تملكه الإحباط لكي يبحث عن لافتة أخرى تقوده إلى حلمه.. إلى مصيره.. إلى غايته.

يخوض إنسان الاتجاهات «بطلنا» (سمّيته بطلاً لأنه يقضي حياته باحثاً عن نفسه، قد تنقضي 50 عاماً من عمره ولم يكتشف ماذا يريد، ولكن ذلك لا يمنعه من مواصلة هذه المسيرة الشاقة)، إنسان الاتجاهات يحكي واقع الكثيرين منا، فهو يخوض حرباً مستمرة مع نفسه، وهو يبحث عن معنى وجوده، أو عن الموهبة التي لطالما فتش عنها، وقد خاب ظنه مرة ومرتين وثلاثاً، لكن هذا لا يعني النهاية أو الاستياء من ذلك، فهناك صنفان من البشر، الأول هو إنسان الاتجاه الواحد، وذلك من يملك الرؤية الثاقبة في سن مبكرة لكي يستطيع أن يحدد ما هو وماذا يريد أن ينجز في حياته، والصنف الثاني هو من يسلك جميع الاتجاهات ويصطدم بكثير من الجدران، الحياة أشبه بلغز له، وهذا بالطبع لا يعني بالضرورة أنه تائه.. ومن يعلم؟ فقد تكتشف أجمل ما في نفسك في فترات الضياع!

أسطورة كرة السلة، مايكل جوردان، كان لاعب بيسبول! ومارثا ستيوارت مالكة شركة تصميم تقدر قيمتها بالمليارات كانت تعمل سمساراً في البورصة الأميركية! يقول الممثل والناشط الاجتماعي الكبير، ديواين جونسون، الملقب بالصخرة: «الشيء الوحيد الذي أردت حدوثه هو غالباً أفضل شيء لم يحدث لك في حياتك»، المهم ألا تتوقف عن البحث، لذلك جرب كل شي فإنسان الاتجاهات لا يعود إلى الصفر أبداً.

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة