سريالي

تسامح كوني

أحمد المظلوم

في أحد المستودعات العتيقة كانت تقبع بين أكوام الخردة مجموعة من الآلات الموسيقية التي توفي صاحبها، وكان ملحناً عظيماً يدعى لودي، لكن قضت الأقدار أن تنتهي آلاته الموسيقية في هذا المكان الموبوء الذي شعرت فيه بالضجر والبؤس الشديد، ففي ليلة حالكة الظلام اتفق الكمان مع البيانو، فأومأ التشيلو بالقبول بعد استشارة معلمهم الأكبر «عصا المايسترو» بأنهم يجب أن يحملوا على عاتقهم مهمة إنقاذ العالم من الدمار الذي لحق بالأرض، «كوكبهم العزيز» كما يطلقون عليه، وأعربوا عن استيائهم البالغ من الإهمال غير المسؤول من البشر تجاه الاعتناء بالأرض، فقرروا أن يصعدوا إلى السماء في تلك الليلة الخالدة، ويؤلفوا معزوفة أسموها «لحن العالم»، وقد كانوا يرددون دائماً في مضجعهم المتهالك مقتنعين أشد الاقتناع بأن الموسيقى توحد العالم والشعوب، ولن أطيل المقدمة فسأذكر لكم ما حدث بناء على رواية أحد شهود العيان، القادم من المستقبل، والذي ذكر لي أن المشهد هذا قد حدث في عام 5000م، وأنني لن أعيش لأراه لكن أحببت أن أنقله إليكم أعزائي القراء كما وصلني، وهذا ما حدث بلسان الراوي:

«عندما جن الليل تسللت الآلات الموسيقية خلسة من المستودع يتبعها الهدوء وصعدت إلى الغيوم، واستقر كل منها على غيمة بيضاء شاسعة، وتحولت الغيوم إلى دار أوبرا وحبات المطر ترقص كراقصات الباليه، والأرض من تحتهم كقطرة ماء ضخمة، صمت جليدي يخيم على الفضاء العظيم، الكل يرتقب بلهفة وما هي إلا ثوانٍ معدودة تمر حتى أمرت عصا المايسترو الفرقة ببدء العزف، تغلغل صوت الموسيقى منذ لحظات العزف الأولى في أرجاء الكون، وهبطت نغماتها الى الأرض على شكل شعاع أرجواني اللون يخلب الألباب، حتى إذا ما وصل الشعاع الى عتبة الأرض ارتطم بالغلاف الجوي فانفجر الشعاع ليرسل وميضاً وهاجاً ملأ الكون حياة، فانتفضت الأرض بغتة كنبضة قلب واحدة، واستفاقت البشرية حينها من سباتها العميق وخرج الناس من منازلهم مذهولين فاغرة أفواههم من هول المشهد.. كانت جموع الناس تتجه أعينها الى السماء التي تزينت بألوان البهجة وصوت السعادة الأبدية.. كان الناس يراقبون مشدوهين هبوط غشاوة أرجوانية هائلة كضباب من الموسيقى على الأرض حتى إذا ما لامست أجسادهم البائسة ارتعد أحدهم في أحد الأصقاع وصرخ مردداً مقولة فولتير «قد أختلف معك في الرأي لكني مستعد أن أدفع حياتي ثمناً لتقول ما تريده». ومن ثم تعالت الأصوات بين البشر والحيوانات في الأرض تردد المقولة ذاتها بصوت واحد، وفي هذه اللحظة أمر المايسترو الآلة الموسيقية أن ترفع من وتيرة العزف! وبارتفاع النغمة خرجت جموع الناس مندفعة تمشي في كل اتجاهات الأرض، والحيوانات ساروا في حشود متراصة متكاتفة في مسيرة حب صوب المدن، وفي منتصف الطريق تلاقت البشرية مع الحيوانات حتى إذا ما تلاقوا اندفعوا نحو بعضهم مسرعين والدموع تترقرق في عيونهم الخجلة جراء ما تسببوا به من دمار أرضي، وبدأوا يتعانقون في مشهد أخاذ.

اختفت شرور الكراهية من نفوس البشر دفعةً واحدة، وتدفق طيف المحبة بينهم فلا خصام الآن ولا جدال.

وحيد القرن يبتسم ويحضن أحد الصيادين معرباً عن فرحته بانتهاء هذا العهد من سفك الدماء، مؤمناً بوجود عالم أجمل حيث البشر والحيوانات يعيشون في سلام ووئام.. الزرافات تتسابق مع البشر في مشهد مازح والموسيقى تنهمر كالظلال عليهم! المليارات من البشر والحيوانات، والطيور والاشجار، وحتى الصخور والجبال أخذت تتحدث في ما بينها بشوق لبدء عهد جديد من الصداقة والحب الكوني.. ما أجمل ما كانت تشعر به الآلات الموسيقية في هذه اللحظة الفخورة، إنه لحن العالم! تراقصت النجوم وابتسمت المجرات لمثيلاتها وأخذت النيازك تطوف حول الأرض بألوانها البراقة معبرة عن فرحتها، وأخيراً سيتوقف سفك الدماء وانتهاك حرمة الأرض «كانوا يقولون»، وسيعم السلام الأرض وجميع المجرات الأخرى! ما أجمله من مشهد سيخلد في ذاكرة الوجود.

حتى الصخور والجبال أخذت تتحدث في ما بينها بشوق لبدء عهد جديد من الصداقة والحب الكوني.. ما أجمل ما كانت تشعر به الآلات الموسيقية في هذه اللحظة الفخورة، رإنه لحن العالم.

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

 

طباعة