EMTC

5 دقائق

إلا التَّبِعات

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

عبودية المرء لربه سبحانه وجل في علاه؛ هي تشريف عظيم؛ لكونه انتسب نسبة إضافة لهذا المعبود بحق جل شأنه، بينما غيره يعبد الباطل من أصنام وأوثان وشركاء وغيرها من المعبودات الباطلة، حتى ذلك الملحد هو يعبد هواه الذي منعه أن يسلك سبيل العبودية الحقة، فهو يعبد هواه، لأنه سخّر عقله للهوى لا للنظر والمعرفة، فهو أضل سبيلاً من غيره..

وكثير من الناس لم يفهموا شمول العبودية لكل أوامر الله جل ذكره ونواهيه، فتراهم يقصرون العبادة على الشعائر الدينية التي تؤدى في أوقات أو أزمنة محددة!

والواقع أنها أعم من ذلك بكثير، بدليل أن المعاصي يترتب عليها العقاب بحسب درجة العصيان، كما أن الطاعات جميعها، ومنها امتثال الأوامر واجتناب النواهي، يترتب عليها ثواب بحسب مراتبها.

ومن أهم مظاهر العبودية لله تعالى أداء حقوق العباد التي يغلب عليها المشاحة، والاستقصاء في طلبها، وعدم التنازل عنها، فقد يكون بسببها التناحر والتقاطع والتدابر، وهذه في نفسها موبقات، فما أدى إليها قد يكون أشد إيباقاً وجُرماً.

ومن صور ذلك الاعتداء على الغير في نفسه قتلاً، أو إيلاماً جسدياً بالضرب، أو معنوياً كالطعن في الأعراض والسباب والشتائم والنميمة والغِيبة، أو الوشايات الكيدية أو الوقوف أمام مصالحه مباشرة أو تسبباً..

ومن ذلك الاعتداء عليه بأخذ ماله ظلماً غصباً أو سرقة أو احتيالاً أو غشاً أو أكلاً له بالباطل؛ رباً أو قماراً أو غبناً أو بيعاً فاسداً، عمداً، أو غير ذلك..

وكل هذه الأمور تصنف على أنها من «التَّبِعات»، أي حقوق العباد التي لا يغفرها الله تعالى لأصحابها حتى يؤدوها لهم أو يتحللوا منهم، وهي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر منها بقوله: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»، فانظر كيف يقام العدل!

إن أداء الحقوق لابد منه، وهنا يكون الإفلاس الحقيقي، حينما تذهب الحسنات التي ظل المرء يكسبها وينصَب في تحصيلها، وقد لا تفي بحقوق العباد فيحمل سيئاتهم، فلا يبقى له عمل يؤهله لرحمة الله تعالى.

وقد كان عليه الصلاة والسلام، وهو المعصوم، يتهيب من هذه التبعات، فيقول: «وإني لأرجو أن لا ألقى الله بمظلمة ظلمتها أحداً منكم في أهل، ولا مال»، بل كان هو بأبي وأمي ونفسي التي بين جنبي يناشد أصحابه فيقول: «معاشر المسلمين أنشدكم بالله وبحقي عليكم من كانت له قِبَلي مظلمة فليقم فليقتص مني قبل القصاص في القيامة»، الله أكبر! إن الأمر شديد.

هذا وهو المعصوم من كل ذنب، بل هو الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، على فرض وقوعه منه لو وقع، ولكنه أراد أن يعلم أمته مهابة حقوق الناس، وأنها شديدة عند الله تعالى؛ لأنه سبحانه حرّم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً، كما صحّ به الحديث القدسي، ولذلك قال سبحانه: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}.

إذاً فكيف ينجو المرء من هول ذلك؟

الحقيقة الأمر سهل جداً، ما دام أنه حي يملك إرادته في هذه الحياة، وهو أن يبادر إلى التحلل من تبعاته تلك بأداء الحقوق التي تحملها، فإن كان يعرف أصحابها بادر إليهم ووفاهم حقوقهم، أو تسامح منهم، بالاعتراف بالخطأ وطلب العفو، فلعل الكريم يفرح بذلك، كما يقول ابن المعتز : «... ديةُ الذنب عندنا الاعتذارُ».

وإن كان مستقصياً حقه فيعطيه حقه إن وجد، أو تحمله إن فقد، وإن كان صاحب الحق قد فقد فلا أقل من كثرة الاستغفار له والصدقة عنه..

هذا ولعل ذلك المظلوم ينتصر لنفسه في الدنيا بإرسال سهامه الصائبات، وهو الأمر الذي حذر منه المصطفى عليه الصلاة والسلام بقوله: «واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

نسأل الله تعالى الحماية والصيانة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة