EMTC

سريالي

طموحي أن أبكي كما بكى بسمارك

أحمد المظلوم

«بسمارك ذو مزاج تضنيه الحياة ولكن الراحة تقتله»

أ.كيزر لنغ

عند ذكر تاريخ ألمانيا، لا يسعنا إلا أن نتذكر أدولف هتلر القائد النازي الغاشم وما اقترفه من جرائم في حق البشرية، وبهذا فقد سلب الأضواء من شخصية ألمانية عظيمة كاريزماتية قد هجرتها الألسن وتخاصمت معها صفحات التاريخ، هي أوتو فون بسمارك، أو كما يعرفه الألمان اليوم بمؤسس ألمانيا الحديثة.

كانت مملكة بروسيا (المانيا سابقاً) متشرذمة إلى أكثر من اثنتين وثلاثين دويلة، بسبب الخسائر الجسيمة التي تكبدتها جراء الحروب النابليونية، وكان شعبها يعيش في شتات يجمعهم اتحاد ضعيف تسيطر عليه مملكة النمسا، وهذه كانت صفعة قوية للشعب البروسي المعتز بشرفه، واستمرت هذا الحال لسنين طوال حتى حانت ساعة من سينهض بهذه الأمة العظيمة، ليحقق الوحدة القومية الألمانية التي طال انتظارها، في عام 1871، لتكون المملكة البروسية في مصاف القوى الأوروبية العظمى، ولكن كيف فعل ذلك بسمارك؟

بسمارك صنع ألمانيا لكنه لم يحكمها، خطاباته العامة لم تكن ذات تأثير كبير في نفوس مستمعيه، كما كانت خطابات مارتن لوثر كينغ تلهب قلوب الجماهير، بسمارك لم يؤسس أي حزب، لكنه كان يمارس سلطته من قوته المنبعثة من ذاته، كانت الأحزاب المسيطرة على البرلمان (حزب المحافظين، حزب الوطنيين الأحرار، حزب الوسط الكاثوليكي) تكرهه، بسمارك لم يكن له أي رصيد في المجال العسكري، وكانت الملكة البروسية والعائلة المالكة تبغضان بسمارك، كما افتقد بسمارك دعم الشعب البروسي، ومع كل هذه العراقيل والمنعطفات التي واجهته، فقد حقق نصراً مظفراً على فرنسا والنمسا، محققاً الوحدة البروسية، وجامعاً شتات اثنتين وثلاثين دويلة تحت راية واحدة، ليذكره التاريخ بأنه الرجل الذي وحد ألمانيا.

بعد تحقيقه كل هذه الإنجازات دخل بسمارك إلى مكتبه وأغلق على نفسه الباب، ثم جلس على كرسيه وضرب الطاولة بكل قوة بقبضة يديه، وصرخ باكيا «لقد هزمتهم كلهم.. كلهم».

بسمارك عندما كان شاباً كان يحب أن يشارك رفقاءه الأميركيين في احتفالهم بيوم الاستقلال، في فترة دراسته بجامعة غوتينغن، وان يشرب معهم نخب الحرية، لكن أحد هؤلاء كان يتكلم عن انقسام ألمانيا فيراهن بسمارك على خمس وعشرين زجاجة شامبانيا بأن الوحدة الألمانية ستتحقق في خمس وعشرين سنة، فمن يخسر الرهان يجاوز البحر ليشربها مع الآخرين، وهو لم يخطئ إلا في ثلاث عشرة سنة من العد، وكيف له ألا يبكي فرحاً وقد كان هو من حقق هذه الوحدة الألمانية؟!

يقول نيتشه «السعادة والشقاء شقيقان، إما أن يكبرا معاً أو يبقيا ضئيلان مدى الحياة».

لذلك اجعل سقف طموحك عالياً، واجعل طموحك أن تبكي فرحاً كما بكى بسمارك.

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة