كـل يــوم

«المركزية» عبء جديد على الدوائر الضخمة!

سامي الريامي

«المركزية» هي واحدة من أسوأ الممارسات الإدارية المُعرقلة للعمل، وهي رغم بعض مزاياها تظلُّ صفة سلبية لا يُستحسن وجودها لدى أي مدير، ولا يُفضل وجودها في مكان ما، فهي - في الأغلب - دليل فشل لا نجاح، فهي تتعارض مع تفويض الصلاحيات، وهي مُضادة لتسهيل العمل، وتقديم الخدمات الميسرة للمتعاملين، سواء كان هؤلاء المتعاملون داخليين أو خارجيين، و«المركزية» تتعارض مع تطوير العمل الإداري، ولا تضمن إنجاز الأعمال بالسرعة والجودة المطلوبتين.

هي في الإدارة تعني تركيز السلطة في الهيكل التنظيمي للمنشأة، أي أن حق الاحتفاظ بالسلطات يتركز في يد شخص واحد، لذلك هي - في الأغلب - تشكل عقبة كبيرة أمام إنجاز العمل في وقته المعتاد، وتؤدي إلى تأخير كبير في الإجراءات، ما يؤدي إلى هدر في الجهد والوقت.. والمال أحياناً.

ورغم أن حكومة دبي، تحديداً، تكافح المركزية، وتحارب البيروقراطية، ولذلك نجحت في تقديم خدمات عالمية مميزة، وحققت سمعة إدارية عالية المستوى، فإنه من الغريب حقاً أن بعض بنود وفقرات قانون الموارد البشرية الجديد يكرّس المركزية، صحيح أنها محدودة وليست شاملة، وتهدف بالتأكيد إلى فرض رقابة إضافية، إلا أنها تبقى مركزية، وبالتالي لها سلبيات تسهم في تعطيل كثير من الأمور والأعمال المهمة، وربما تفوق هذه السلبيات الهدف الرئيس من مركزية بعض الصلاحيات.

ففي الوقت الذي أعطت فيه المادة 136، من قانون الموارد البشرية الجديد، المدير العام الحق في تفويض أيٍّ من صلاحياته لأيٍّ من موظفي الدائرة، وفق ضوابط وشروط عدة حددتها هذه المادة، وهذا أمر إيجابي للغاية، إلا أن الفقرة التالية من القانون منعت منعاً باتاً المدير العام من تفويض صلاحيات أخرى، مثل التعيين على الدرجة الثانية عشرة فما فوق والترقية، وإنهاء خدمة الموظف، وغيرهما، وبذلك تم حصر هذه الصلاحيات بشكل مركزي كامل في يد المدير العام وحده، وقد يكون ذلك ممكناً ومنطقياً في بعض الدوائر الصغيرة الحجم، لمحدودية نشاطاتها المادية والبشرية، لكنه بكل تأكيد سيكون غير طبيعي، ومُعرقلاً للعمل في الدوائر الضخمة المتعددة النشاطات، خصوصاً مع حجم العمل الضخم الذي يشغل المدير العام طوال وقته، فهل من المنطقي تحميله أيضاً هذه الأعباء بشكل لا يقبل تفويضها لأي مدير تنفيذي أو مدير إدارة؟!

هناك دوائر تضم أكثر من 3000 موظف، وهناك دوائر كبيرة الحجم تضم في داخلها قطاعات ومؤسسات مختلفة، كما أن هناك مديرين عامين يديرون أكثر من دائرة ومؤسسة وجهة، فهل فكّر المشرّع في هذه الحالات تحديداً، قبل حصر هذه الأعمال بيد المدير العام؟! وهل من الممكن أن تقف التعيينات والترقيات أو حتى إنهاء الخدمات في دائرة ضخمة إلى حين عودة المدير من الإجازة مثلاً، أو لغيابه في مهمة خارجية، أو حتى حصوله على الوقت اللازم.. مع كثرة انشغالاته، للاطلاع والتوقيع على توظيف موظف من الدرجة الثانية عشرة فما فوق، أو ترقية موظف صغير، أو إنهاء خدمات موظف مهمل أو غير منتج أو لأي سبب كان؟!

أعتقد أن ذلك ليس في مصلحة تسهيل العمل، ولا علاقة له بسياسة القضاء على البيروقراطية، وكان بالإمكان تفويض هذه الصلاحيات، خصوصاً في تعيين وترقية الموظفين في الدرجات الوظيفية العادية لمدير القطاع، أو للمدير التنفيذي أو لأي مدير إدارة، ومن ثم يُحاسبه المدير العام متى ما أراد، إذا شعر بوجود خطأ ما، هذا هو مفهوم تفويض الصلاحيات، لضمان سير العمل بالسرعة المطلوبة، وإلا ستضطر إدارات شؤون الموظفين في الدوائر إلى تضييع أوقات طويلة، من أجل إنجاز معاملات اعتيادية بسيطة، لكنها ضرورية لإنجاز العمل!

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة