الواقع المُمل والبهارات المثيرة!

لو استمعنا إلى شخص يروي قصة عن «رجل أبحر من الإمارات إلى الهند ووصل بسلام»، فلن يلتفت إلى القصة أحد. لكن لو روى الشخص القصة كالتالي: «أبحر رجل من الإمارات إلى الهند، فغرقت سفينته، فجاء تنين وحمل الرجل على ظهره وأخذه إلى وجهته»، سيستغرب متلقو القصة، ومنهم من سيرغب بإكمالها، ومنهم من سيقول إنها لا تصدق ويرحل، لكنه لن ينسى جزئية التنين الطائر. هذا المنطق بالضبط الذي توظفه السينما والمسلسلات في أعمالهما.

التفاصيل المثيرة في القصص نسمّيها بهارات، أي تعطي القصة نكهة، وليست بالضرورة واقعية. عندما نشاهد فيلماً مملاً جداً فسبب الملل أنه واقعي جداً، وعندما نندمج في فيلم مملوء بالأكشن والإثارة فلأنه غير واقعي لأغراض ترفيهية.

فئة كبيرة منا نحن «بو عراب» لا تفهم معنى الترفيه، وتستهجن العمل الفني وتصفه أنه يرفع الضغط من الكذب أو فيلم هندي من شدة مبالغاته، ولا تقدّر أن صاحب العمل لو جعله واقعياً لما احتمل هؤلاء ربع ساعة ولقالوا إنه ممل! والسبب أن مجرد مشاهدة فيلم أو مسلسل تعد ثقافة نحن «بو عراب» لا نتمتع بها.

المخرج الأميركي ديفيد لينش صنع كثيراً من الأفلام السيريالية، وأغلب أفلامه هلوسات وأحلام وكوابيس للشخصيات لا يستطيع المشاهد الفصل بين واقع وخيال الشخصية، إلى درجة أن فتاة في أحد أفلامه تختفي وسط غرفة أمام أعين المشاهدين دون شرح.

لينش صنع فيلماً بعنوان «القصة المباشرة» The Straight Story أي التي لا تحوي غرائبيات عن رجل يسافر للتصالح مع أخيه قبل موته. وكان مملاً جداً رغم أنه واقعي وغير شعبي مقارنة بأفلامه الأخرى التي لا تصدق! تنويه: اسم الشخصية في الفيلم أعلاه من عنوان الفيلم.

بالمنطق نفسه، فيلم «مولد نجمة» 2018 ممل جداً لأنه واقعي، بينما فيلم «رحلة جوية» رهيب لن ترفع عينك عن الشاشة ولا ينسى أحد مشهد الطيار المخمور الذي يطير بالمقلوب! كلاهما دراسة سلوك شخصية مدمن خمور، وفي رأيي أن دينزل واشنطن أفضل من برادلي كوبر أداءً بسبب المبالغات. حتى فيلم «العراب» الشهير غير منطقي ومملوء بالمبالغات، ورغم ذلك حاز إعجابنا.

بالمنطق نفسه، هل ستتذكر مبارزة سيوف بين رجلين؟ أم ستتذكر أن أحدهما أخرج مسدساً فجأة وقتل الآخر؟ هذا يسمى نهاية مخيبة لمشهد مثير، وهي من فنون رواية القصة وتأتي في إطار الكوميديا غالباً، وتوظف لنتذكر المشهد ونضحك عليه.

بالعربي: في فيلم «غابة الإسفلت» عام 1950، للأسطورة جون هيوستن، يضرب لص شرطياً، فيسقط مسدس الشرطي أرضاً ونتيجة ارتطامه تنطلق منه رصاصة تصيب رجلاً آخر. السؤال: هل سيتذكر كاتب هذا المقال تلك الجزئية لو أطلق الشرطي الرصاصة بنفسه ولم تنطلق وحدها بسبب الارتطام؟ بكلمات أخرى، نحن بشر جُبلنا على حب القصص ومبالغاتها، لأن الواقع ممل ومؤلم، فنلجأ للهروب المؤقت منه بالإقبال على الترفيه، لأننا نجد فيه ما نفتقده في الواقع.

التفاصيل المثيرة في القصص نسمّيها بهارات، أي تعطي القصة نكهة، وليست بالضرورة واقعية. عبدالله القمزي

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة