سريالي

بركة تماسيح لإدارة الحضور والانصراف!

أحمد المظلوم

في كل صباح يجب على كل موظف في المؤسسة (ج) أن يمر فوق بركة ماء هائلة، تمام الساعة السابعة والنصف، وذلك الأمر يتم بسهولة بالغة على الموظف الملتزم بمواعيد العمل. لكن الويل لمن يأتي متأخراً، ذلك أنه في كل نصف ساعة يتم إدخال تمساح متوحش للبركة! حينها يتحتم على الموظف المتأخر عن العمل أن يجتاز ممراً بالغ الخطورة محاطاً بالتماسيح والذعر يحيطه من كل جانب!

في الحقيقة إن المؤسسة (ج) هي من مخيلتي، وما الأمر إلا فكرة جامحة شاركني إياها أبوعبدالعزيز مديري في العمل، حتى ضحكنا ملء أشداقنا من طرفة الفكرة وذكائها في الوقت نفسه! فهي وإن كانت بعيدة كل البعد عن التطبيق الفعلي وقواعد المنطق الذهني لكنها تكشف عن خيال جامح متقد لدى صاحبها، لذلك يجب على كل مسؤول أن يتمتع ببصيرة نافذة ليرى ذلك البصيص من العبقرية أو الإبداع لدى صاحب الفكرة مهما كان مضمونها. تولد الفكرة وتموت في مهدها إذا تم التقليل من شأنها أو شأن صاحبها، وهذه ممارسة غير صحية للمؤسسات التي تريد أن تكون نموذجاً أمثل في دعم الابتكار والمبتكرين، فإن لم يكن هناك جدوى من تطبيق الفكرة فهناك حتماً جدوى من الاستثمار في عقل مالكها.

كم من فكرة ظن العالم أجمع أنها لن ترى النور وسخروا منها مراراً؟ مع ذلك وعلى ما تحمله الفكرة من بساطة فقد حققت نجاحاً مبهراً، وهنا أضرب لكم أحد الأمثلة المضحكة، يقرر المبرمج جاكسون بالمر ذات يوم الدخول إلى عالم العملات الرقمية، وسط الحمى المسعورة التي غشيت العالم بأكمله، حيث أراد إثبات وجهة نظره أن الناس قد يشترون أي شيء تقع عليه أعينهم، مهما كانت تفاهته، إذا تم التسويق له بشكل بارع، فأنشأ في عام 2014 عملة رقمية لا نفع يذكر منها، أطلق عليها اسم «دوج كوين»، وهي تعني حرفياً عُملة الكلب، ويا لغرابة الأمر فقد ارتفعت القيمة السوقية لدوج كوين إلى مليار دولار في عام 2018! ونصّبت نفسها في المراكز العشرة الأولى بين العملات الرقمية!

وفي مثال آخر كتب الفيلسوف التشاؤمي الشهير آرثر شوبنهاور، كتابه الأعظم «الحياة إرادة وتمثلا»، الذي صب فيه جميع أفكاره الفلسفية فلم يحقق نجاحاً ملحوظاً، ولم تتجاوز مبيعاته 300 نسخة، ما سبب له صدمة جراء ذلك، وبعدها بسنين قليلة ألف كتاباً آخر متواضع المحتوى جمع فيه بعض الخواطر والأقوال المأثورة، وما أثار دهشته هو أن الكتاب الأخير اجتاح جميع أنحاء أوروبا، وتهافت الناس على شرائه بشكل جنوني، وأصبح شوبنهاور نجماً ساطعاً في سماء القارة الأوروبية، وقد علق لاحقاً على ما حدث، قائلاً «إنها كوميديا الشهرة يا سادة».

أخيراً.. أقول لا تدع فكرتك محبوسة بين جدران عقلك، خوفاً من النكران أو الاستخفاف بها، فإن كنت تؤمن بها قلها، وللمسؤول أقول إن لم تؤمن بها اسمعها، حتى لو كانت بركة تماسيح لإدارة الحضور والانصراف!

Ahmed_almadloum

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة