5 دقائق

التعليم حق.. لا هبة

طارق القرق

فيما يتلقى الأطفال في بعض أجزاء العالم تعليمهم، ويتحضرون لمستقبل أفضل وأكثر إشراقاً، لايزال أكثر من 262 مليون طفل وشاب حول العالم غير ملتحقين بالمدارس، وليس ذلك لعدم رغبتهم في الالتحاق بالتعليم، إنما ببساطة لعدم توافر هذه الفرصة لهم. يُحرم هؤلاء الأطفال والشباب من حقهم في التعليم، وكذلك من الفرص التي ترافقهم، مثل الفرص للحصول على عمل لائق والخروج من حلقة الفقر ودعم عائلاتهم، والإسهام في تطور مجتمعاتهم.

وفي عالمنا اليوم، حيث الفقر والصراعات والكوارث الطبيعية والأوبئة تزداد انتشاراً وتعقيداً، يُحرم الأطفال غالباً من حقهم في التعليم، فيما تصبح الحاجة إلى التعليم أكثر إلحاحاً اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى في تاريخ البشرية. واستجابة لهذه الحاجة الملحة، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع قراراً بتسمية يوم 24 يناير «اليوم الدولي للتعليم». ويعبر هذا القرار التاريخي من قبل الأمم المتحدة عن الإرادة السياسية للمجتمع الدولي لتوفير التعليم السليم للجميع، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030، كما يشدّد على الدور الجوهري للتعليم في بناء المجتمعات المستدامة والمرنة، وإسهامه في تحقيق أهداف التنمية المستدامة الأخرى.

وبمناسبة اليوم الدولي للتعليم، الذي يُحتفل به للمرة الأولى، يسعدني انتهاز هذه الفرصة لأشدد على أهمية هذا اليوم، إذ تمنحنا هذه المناسبة حافزاً لتكثيف جهودنا الرامية لتقليص فجوة التعليم، من خلال ضم المزيد من الأطفال والشباب إلى النظام التعليمي. ولتحقيق ذلك، لابد أن يكون التعليم شاملاً وعالمياً من ناحية المبادئ، ومحلياً من ناحية التأثير، وأن يزوّد الأطفال والشباب بالقدرات والصفات الضرورية لمعالجة التحديات التي تواجهها البشرية.

إن التعليم من الركائز الأساسية للتنمية المستدامة، ومن دون استثمار حقيقي في رأس المال البشري، لا يمكن للدول تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. فالتعليم يثري فهم البشر لأنفسهم والعالم المحيط بهم، كما يحسّن ظروفهم الحياتية، ويؤدي لفوائد اجتماعية واسعة للأفراد والمجتمع ككل، ويؤدي دوراً مركزياً في تحقيق السلام، علماً بأن الإقصاء وعدم المساواة يفاقمان التفاوت والصراعات. علاوة على ذلك، يلعب التعليم دوراً محورياً في نشر قيم التسامح في المجتمعات.

التعليم هو حق لجميع الأطفال والشباب، بغض النظر عن جنسهم أو دينهم أو جنسيتهم. لقد آن الأوان لضمان الحفاظ على هذا الحق على جميع المستويات، فالتعليم هو تذكرة عبور نحو مستقبل مزدهر، ويمكّن الأطفال والشباب من إحداث فرق في مجتمعاتهم.

ومن خلال الاحتفال بهذا اليوم الدولي، أطلق المجتمع الدولي رسالة قوية تعترف بالدور الفعّال للتعليم من أجل تحقيق السلام والتنمية. وعليه، نرحب بتبني هذا القرار، لكونه يجسد الإرادة السياسية الحازمة لدعم الخطوات التي من شأنها إحداث تغيير نحو توفير تعليم سليم ومنصف وشامل للجميع.

إن تخصيص يومٍ في التقويم السنوي للتعليم يمثل بداية جديدة للمجتمع الدولي وإدراكه لإلحاح هذه القضية، وللمعنيين بقطاع التعليم عالمياً كي يضعوه على رأس أولوياتهم. من دون جبهة تغيير قوية وموحدة، ومن دون رؤية جماعية واضحة، ومن دون التزامات مالية كبرى وإحساس بضرورة منح الأولوية للتعليم، سيشهد العالم المزيد من أجيال الأطفال والشباب خارج منظومة التعليم، الذي هم بأمس الحاجة إليه.

يجب على الحكومات أن تعمل جنباً إلى جنب مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات أولياء الأمور والمعلمين، للوصول إلى أفضل الطرق البنّاءة وأكثرها ابتكاراً لتحسين جودة التعليم حول العالم. فالجهود المشتركة ضرورية لتطوير السياسات وسن القوانين التي تشدد على الدور الإيجابي للتعليم في التنمية المستدامة والسلام، ولتطوير استراتيجيات تضمن الدعم السياسي لزيادة التمويل المخصص للتعليم.

ومن خلال دعم التعليم السليم للجميع، يمكن ضمان تحقيق الأطفال والشباب لإمكاناتهم، ما يسهم في تحسين مجتمعاتهم وشعوبهم وفي ازدهار عالمنا. التعليم ليس هبة، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، ويجب ألا نستثني أحداً من هذا الحق!

الرئيس التنفيذي لدبي العطاء

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة