كـل يــوم

مشكلة تحوّلت لمبادرة.. هذا هو الإبداع

سامي الريامي

يُقال إن المسؤول الذي ينقل وجود مشكلة إلى مسؤوليه، هو عملياً مجرد مراسل، والمسؤول الذي ينقل المشكلة ويضع بجانبها الحل، هو مسؤول ناجح، لكني أضيف اليوم إلى ذلك مسؤولاً ينقل المشكلة ويضع الحل، ثم يخلق مبادرة غير متوقعة من هذه المشكلة، فهذا هو المسؤول المبدع.

البداية كانت شكوى من مدارس عدة بوجود ازدحامات واختناقات مرورية في أوقات دخول الطلاب إلى المدرسة وخروجهم منها، تلتها شكاوى من مشكلات مرورية، وفوضى من بعض الطلاب الذين يقودون سيارات من دون رخصة، وبالقرب من المدارس، أما الحل فكان زيادة عدد الدوريات في أوقات الذروة وتنظيم حركة المرور، إضافة إلى تكثيف الرقابة وزيادة الضبطيات.. إلى هُنا وتكون المشكلة قاربت على نهايتها.

لكن هناك من فكّر خارج الصندوق، ولاحظ وجود شريحة كبيرة من أهم شرائح المجتمع مجتمعين في مكان واحد، وبشكل يسهل معه توجيههم وتغذية روح القانون فيهم، وإبعادهم عن كثير من الظواهر والمشكلات، لأن الوقاية خير من العلاج، ولأن تقليل حجم أي ظاهرة يعني مستقبلاً تقليل حجم المشكلات والقضايا الجنائية، وتحويل الأحداث إلى مستقبل أفضل يطمح إليه الجميع، بدلاً من تورطهم في قضايا أكبر.

ومن هذا المنطلق أطلق ضابط في شرطة دبي مبادرة نوعية، ومتميزة، تبدأ بعلاج المشكلات والظواهر قبل ظهورها واستفحالها، تبدأ من المدرسة وعند صغار السن تحديداً، فكانت مبادرة «أمن المدارس» من العميد سعيد حمد أحمد، مدير مركز شرطة الراشدية، وتستهدف أكثر من 273 ألف طالب، ومعهم أولياء أمورهم، وأعضاء الهيئة التدريسية في 280 مدرسة حكومية وخاصة في دبي، وبالطبع فإن هذا العدد يشمل مختلف الجنسيات، وهو بالفعل نواة حقيقية لتغيير سلوكيات مجتمع بأسره، وأجيال مقبلة، فالسن هنا هي سن التقبل والتشكل، والثقافة والقيم التي يمكن زرعها في هذا العدد لاشك في أنها ستكون مثمرة للغاية، لو أحسنا التعامل مع هذه الشريحة المهمة.

الفكرة تقوم على نشر التوعية والثقافة الشُرطية والقانونية لدى هؤلاء الطلاب جميعاً، وبعد أن تم رصد الظواهر الموجودة وبشكل دقيق وشامل، اكتشفت الشرطة أن هناك سبع ظواهر سلبية رئيسة واضحة في هذه المدارس، ما أعطاها فرصة للتركيز في معالجة كل ظاهرة بأسلوب علمي مختلف، وهذه الظواهر هي: التنمر، التدخين، التهديد، الاعتداءات، الابتزاز الإلكتروني، قيادة مركبة من دون ترخيص، الحبوب المخدرة.

وبعد حصرها بدأت برامج التوعية، وبالتنسيق بين المدرسة وأولياء الأمور، لرصد ومحاصرة كل ظاهرة والتقليل منها، بوسائل التأثير المباشر في الطلاب، والدخول في حوارات جادة معهم، وإعطائهم البدائل، وتوعيتهم بكيفية التعامل مع كل ظاهرة، وبذلك استطاعت الشرطة الوصول إلى جزء من أهدافها الوقائية في ظرف عام من بداية تطبيق المبادرة، مع وضع خطة للوصول إلى الهدف العام، وهو القضاء على هذه الظواهر بحلول عام 2021.

النتائج الحالية، وبعد مرور عام، مشجعة تماماً، فقد انخفضت البلاغات الجنائية، مثل التنمر والاعتداءات والسب والتهديد والابتزاز إلى 38%، وانخفضت البلاغات المرورية حول المدارس إلى 33%، وهذا من دون شك مؤشر إيجابي للغاية، خاصة أننا نتحدث عن بلاغات جنائية تتحول إلى أحكام قضائية، قد تصل إلى السجن، وجميعنا يعلم تبعات سجن طالب على مستقبله وذويه.

المبادرة رائعة، وفيها إبداع في التعامل، وفي الشريحة الصحيحة المستهدفة، وتالياً لابد من رصدها بدقة وتعميمها على مختلف مدارس الدولة بشكل عام، فأولياء الأمور جميعاً أحوج ما يكونون لحماية أبنائهم وتوعيتهم وتهيئتهم بشكل قانوني جيد لمجابهة ظواهر المجتمع المختلفة.

twitter@samialreyami

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة