كـل يــوم

التعليم ليس مجرد شهادة..

كـل يــوم

التعليم ليس مجرد شهادة..

سامي الريامي

التعليم ليس مجرد شهادة، ولا هو مناهج ومواد تعليمية فقط، التعليم هو بناء إنسان قادر على بناء دولة والنهوض بها، والدولة التي تضمن توفير تعليم جيد بين طلابها في مختلف مراحلهم التعليمية، تضمن للمجتمع مستقبلاً أفضل في كل مجالات الحياة ونواحيها، فالتعليم أسلوب حياة وبناء.

هذا ليس تحليلاً، ولا هي وجهة نظر، بل هي حقيقة دامغة بالأدلة، وأبرز نموذجين لتأكيد ذلك هما نموذجا اليابان وفنلندا، فهاتان الدولتان لم تتطورا إلا بشيء واحد فقط.. التعليم الجيد ولا شيء غيره.

التعليم في هذين البلدين تحديداً لم ينتج طلبة متفوقين بل أنتج عبر السنين ثقافة اجتماعية مميزة، فعادات

الصدق والأمانة والدقة والانضباط والالتزام بالمواعيد والمساواة تُحترم بشكل كبير جداً في فنلندا، وهذا يظهر في كل شيء في الثقافة، وكذلك في حياة العمل أيضاً.

المسؤول هناك لا يراقب عمل العمال طوال الوقت، بل يُسأل العمال عن وجهات نظرهم، والآراء تؤخذ بعين الاعتبار عند التخطيط للعمل، ويُجرى الاتفاق على العمل في العادة خلال اجتماعات العمل، وتُنفذ الأشياء التي اتفق عليها دون مراقبة، إذ يقوم الموظفون بتنفيذ الأعمال بالطريقة التي يرونها مناسبة، ويرجعون إلى مسؤوليهم للتشاور أو عند إنجاز العمل.

وفي ثقافة العمل الفنلندية من المهم جداً احترام الجداول الزمنية، ويجب الوصول إلى مكان العمل في الوقت المتفق عليه بالضبط، والتأخر 10 دقائق مثلاً هو عمل غير مهذب، في حين أن ثقافة إبلاغ المسؤول في الحالات الاضطرارية التي تحتم التأخير هي شيء حتمي.

ليس ذلك فحسب، بل إن الثقة بأخلاق الفنلنديين لا حدود لها، فعربات المترو مثلاً لا توجد عليها رقابة، والناس يدفعون للتذاكر بشكل شهري أو سنوي، ثم يركبون العربات دون أن يراقبهم أحد أو أن يسأل عن التذاكر أحد، وكذلك الطرق والشوارع، من الصعب أو ربما من المستحيل أن تجد من يقطع إشارة حمراء، أو يتعدى على حقوق المشاة، ليس خوفاً من الشرطة أو المخالفة والغرامة، بل هو بسبب احترام القانون وتقديسه!

في الماضي اعتمدت فنلندا في اقتصادها على الزراعة وتصدير الأخشاب، وبعد تطوير التعليم أخذت تتحوّل تدريجيّاً للصناعة، خصوصاً الصناعات التكنولوجية. وفي استطلاع سابق لمجلة «نيوزويك» ورد أنّ فنلندا تعد «أفضل دولة في العالم من حيث الصحة والاقتصاد والتعليم والبيئة السياسيّة ونوعيّة الحياة، كما تعد فنلندا ثانية أكثر البلدان استقراراً في العالم». كل ذلك بفضل التعليم.

أمّا النموذج الياباني فهو شهير ومعروف، فاليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ومهزومة، فأدركت أن القوة ليست بالسلاح والجيوش، بل بالتعليم الجيد، فراهنت عليه، وركزت عليه بشكل أكثر من كل شيء سواه، فاستطاعت أن تبني دولة تكنولوجية عصرية متطورة تمتلك واحداً من أقوى اقتصادات العالم، والتعليم الجيد لم يمنحها التطور الاقتصادي فقط، بل إن الشعب الياباني اليوم هو أحد أرقى شعوب العالم تنظيماً وأخلاقاً وثقافة.

reyami@emaratalyoum.com

twitter@samialreyami

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .