5 دقائق

    مسائل في الزكاة

    د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

    سرّني كثيراً تساؤل الناس عن أحكام زكاة أموالهم، من ثمار وأنعام، بعد شهر رمضان كما كان فيه؛ لأن ذلك دليل يقظة الناس لأمر دينهم، وعدم اغترارهم بجمع المال من غير أن يؤدوا حقه، وهو دليل أيضاً على استشعارهم حقوق إخوانهم المسلمين الذين كتبه الله لهم حقاً في أموال إخوانهم، ليقضوا به حاجاتهم ويعيشوا به مكفيين في دنياهم، ومن هذه المسائل المسائل التالية:

    1- زكاة النخيل، فيسألون عن زكاة التمر، فإن هذا أوان حصاده وقد أوجب الله في الحبوب والثمار حقاً معلوماً يُعطى يوم حصاده، كما قال سبحانه: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، ويوم حصاده هو يوم استوائه تمراً، غير أن الناس يأكلون الكثير منه رطباً ولا يقدرِّون الواجب فيه، والمطلوب منهم أن يقَدِّروا ما في نخيلهم من التمر عند ابتداء صلاحه ونضجه، فإن كان يبلغ نصاباً فأكثر، فإن عليهم أن يخرجوا منه الزكاة المقدرة بنصف العشر 5%، لأنه يسقى بكلفة ومؤونة، ويحصل معرفة ذلك بقسمة الكمية المقدرة على 20 فينتج الواجب، والنصاب هو خمسة أوسق، وتقدر بـ653 كيلوغراماً، فإذا علم المرء الواجب عليه فإنه يستقر في ذمته تمراً، وليس رطباً، وعندئذ له أن يأكل من الرطب ويتصدق ويهدي ويبيع، وما شاء أن يفعل، بعد أن استقر الواجب في ذمته، فإذ نضج حتى صار تمراً أخرج القدر الواجب عليه لمستحقي الزكاة، فإن شاء أخرجه تمراً، وإن شاء أخرج ثمنه، وبعض الناس على كثرة خيرهم لا يبيعون شيئاً منه بل يوزعونه ويتصدقون به رطباً وتمراً، ويغفلون عن إخراجه بنية الزكاة، فيبقى الواجب مستقراً في الذمة، ولا يجزئ ما فعلوه بغير نيتها واسمها، فإن الزكاة فريضة لا تصح إلا بنيتها، لقوله صلى الله عليه وسلم «وإنما لكل امرئ ما نوى»، فينبغي التنبه لذلك.

    2- زكاة الأسهم التجارية، كأسهم الجمعيات والبنوك والشركات ذات النشاط التجاري، التي لم تكن هذه المؤسسات مخولة بإخراج زكاة المساهمين والمودعين، فإن بعض الناس كان في غفلة عن زكاتها لسنوات، فتنبهوا بعد ذلك، وتلك الغفلة لا تعفيهم من واجب الزكاة، فإن الواجب إذا استقر في الذمة لا يسقط إلا بأدائه، قضاءً إن فات الأداء في وقته، كحقوق العباد، وحق الله تعالى أولى بالوفاء، فعلى من كان غافلاً عن هذا الحق أن يتذكر عدد أسهمه، وكم قيمتها في كل سنة؟ وكم كانت أرباحها؟ فيزكيها لكل حول زكوي باعتبار كل سنة بحسب قيمة السهم السوقية، زائداً ما حصل عليها من أرباح، ولا يعسر ذلك مع وجود كشوفات الحسابات السنوية لدى البنوك والشركات ونحوها، فإن الحسابات الختامية تحفظ في السجلات لعشرات السنين، وبإمكان المساهم أن يحصل عليها بكل سهولة، وإن لم يمكن ذلك - جدلاً - فإن على المسلم أن يتحرى ما استطاع ويخرج ما غلب عليه ظنه، مع التوبة والاستغفار.

    3- يتساءلون كثيراً عن مستحقي الزكاة، فمنهم من يذكر من أوصاف الاستحقاق ما لا تبقى معه مِرية وشك، كفقر وديون ومرض وقلة دخل ونحو ذلك، ثم يقول: هل يصح أن يعطى من الزكاة؟! ولعلي أقول لهم: إذا لم يصح أن تُعطى لمن ذكرتَ فلمن تكون؟! إن مستحقي الزكاة هم الأصناف الثمانية المذكورين في آية الصدقة 60 من سورة التوبة، فمن ظهرت عليه دلائل الاستحقاق، أو ادعاها فإنه يعطاها، وتبرأ الذمة بذلك، وله أن يخبره بأنها زكاة حتى يكون الآخذ حسيب نفسه، إن كان مستحقاً لها أخذها وإلا تركها كما فعل النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، مع الرجلين الذين أتياه يسألان الصدقة «فرفع البصر وخفض، فرآهما رجلين جلْدين فقال: إن شئتما - أي أعطيتكما - ولا حق (أو لا حظ) فيها لغني ولا لقوي مكتسب»، وهذا تشريع منه عليه الصلاة والسلام، ولنا به أسوة حسنة.

    نسأل الله أن يتقبل من المزكين ويبارك لهم ويخلف عليهم.

    «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

    طباعة