الحفاظ على التقوى

مَنَّ الله تعالى علينا بصيام شهر رمضان، فله الحمد والمِنَّة على فضله وتوفيقه وعونه، فقد كان شهراً مفعماً بالخيرات، تنقَّل فيه المؤمنون الموفقون بين أفنان الطاعات والقربات؛ صياماً وقياماً وزكاة وصدقة وتلاوة للقرآن، وتنزهاً عن المعاصي، ورُقيّاً في الأخلاق والتعامل، وصبراً على الأذى، وحلماً على الجهلاء، وعفواً عن الإساءة... إلى غير ذلك من أمهات الفضائل الدينية والأخلاقية، وذلك هو سلوك

عبادة الصيام مطلقاً وفي شهر رمضان خصوصاً عبادة ذاتثمرة يانعة ديناً ودنيا.

المتقين، الذين حرصوا على الصوم الحقيقي، فأورثهم التقوى ونيل مراتب المتقين في الدنيا والآخرة، فكانوا في مدرسة التقوى، قد نهلوا وعلّوا من منهجها العظيم، حتى أصبح ذلكم المنهج واقعاً عملياً في حياتهم، ومن كان قد تحلى بذلك المنهج العملي التطبيقي فإن عليه أن يعض عليه بالنواجذ، فقد نال به شرف الدنيا والآخرة، وهذه هي الاستقامة التي يفوز بها المتقون، والتي وعد الله تعالى أهلها بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

إن عبادة الصيام مطلقاً، وفي شهر رمضان خصوصاً، عبادة ذات ثمرة يانعة ديناً ودنيا، فكما أنها تجعل المرء في مقام المحبوبية لله تعالى، لكونه يتعبد بأحب العبادات إليه سبحانه، والتي يشابه بها الملائكة الأكرمين في كونهم لا يأكلون ولا يشربون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويتخلق فيه بأخلاق النبيين والصديقين، فكذلك هي عبادة سلوكية واجتماعية، فقد كان الصائم دائم المراقبة لمولاه، فكان لا يسب ولا يصخب، فضلاً عن أن يقول الزور أو يغشى الفجور، وهذه معانٍ عظيمة في الوسط الاجتماعي، تجعل المرء محبوباً عند الناس، زاكي الخلق عندهم، فيكون في المحل الراقي بين الناس وقاراً واحتراماً، لا ينالها ذو الثروة بثروته، ولا ذو الجاه بجاهه، وقد نالها بطاعة ربه، الذي بيده قلوب العباد يقلبها كيف يشاء، وقد أجرى رب العباد سنته بين خلقه أن من أحسن التبتل إليه أحبه وجعل محبوبيته بين خلقه، كما جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض».

وهذه المحبوبية هي ثمرة الطاعات ونوافل العبادات مع أداء المفترضات، كما في الحديث القدسي الصحيح: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضت عليه، ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببته.. »، وقد تحقق بها العبد في شهر الصيام، فعليه أن يكون بها حفياً ولها وفياً وولياً، لأنها لم تأت مصادفة، بل بتوفيق الله أولاً، ثم بمكابدة الطاعة ثانياً، والعاقل إذا ظفر بشيء من الخير أو الرقي في معراج الفضيلة والمحبوبية لا يفرط في ما منَّ الله تعالى به عليه، فإن من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، والاستقامة عليها..

فهذا هو حالنا بعد شهر الصيام، فمن استطاع أن يحافظ على هذه الطريقة المُثلى والمنهج القويم فقد نال الخير العميم، وهو الأمر الذي يحبه الرحمن الرحيم، كما قال عليه الصلاة والسلام: «أحبُّ العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قلَّ».

فإن لم يفعل ذلك، فإنه يكون قد انقلب على عقبه، وهو أخطر عليه من فتوره وتقصيره قبل، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ منه فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور»، أي من النقصان بعد الزيادة.

وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن ابن أخي قد اجتهد في العبادة وأجهد نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلك شِرَّة الإسلام ــ أي شدته ــ لكل شيء شِرَّة، ولكل شِرَّة فترة، فارقبه عند فترته، فإن قارب فلعله، وإن هلك فتباً له».

نسأل الله تعالى أن يثبتنا على الاستقامة، ويحقق فينا التقوى وزيادة.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

الأكثر مشاركة