تلاحم مجتمعي في «مدن الخير»

عندما أطلقت «الإمارات اليوم» و«برنامج زايد للإسكان» مبادرة «مدن الخير» لجمع 50 مليون درهم، من أجل بناء 70 مسكناً لذوي الدخل المحدود، من الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم شروط الحصول على قرض أو منحة سكنية، كنا ندرك تماماً أن هذه المبادرة ما هي إلا مساهمة مجتمعية بسيطة، لا تساوي قطرة في بحر الجهود الضخمة، التي تبذلها حكومة الإمارات لتشييد مساكن بمستويات راقية للمواطنين، التي وصل إجماليها إلى 30 مليار درهم منذ انطلاقة برنامج زايد للإسكان.

وكنا أيضاً على قناعة بوجود الكثير من المؤمنين بضرورة مساهمة الشركات والقطاع الخاص في العمل المجتمعي، وتخصيص جزء من دخلها السنوي للمساهمة المجتمعية، إضافة إلى رجال الخير الذين يعشقون تقديم العون والمساعدة للفئات الأكثر استحقاقاً، وتالياً فإن هذه المساكن (مساكن الخير) هي تعزيز واقعي للتلاحم المجتمعي في الإمارات، وتأكيد على الانسجام بين جهود الحكومة وشركائها في القطاع الخاص، ورجال الأعمال والمتبرعين من المجتمع، خصوصاً في ظل ما توفره الدولة من تسهيلات وخدمات تسهم في نمو الأعمال والاقتصاد، وتشجع على الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.

وهذا ما لمسناه منذ اليوم الأول لإطلاق المبادرة، بالفعل هناك شخصيات وطنية تعشق خدمة المجتمع، وتؤمن بضرورة رد جزء من الجميل لهذا الوطن، فبادرت سريعاً بمساهمات سخية رغبة منها في توفير الاستقرار لتلك الفئات الأكثر احتياجاً للسكن، فلهم منا وباسم جميع المستفيدين من هذه المساكن كل شكر وتقدير واحترام، على مواقفهم الإنسانية النبيلة، وعلى ترجمتهم حبّهم لوطنهم ومجتمعهم بفعل واقعي ملموس يستفيد منه مئات المواطنين، كل الشكر والتقدير لأسرة المرحوم عبيد الحلو، وعبدالرزاق العبدالله، ومحمد علي العبار، وعبدالرحيم الزرعوني، وهشام القاسم، وأحمد بن درويش المهيري، وعلي المطوع، والشيخ محمد بن عبدالله النعيمي.

مبادرة «مدن الخير» هي مفهوم متطور للخدمة المجتمعية، فهي تسد حاجة دائمة لفئات محتاجة، ولا تسعى لعلاج مؤقت للمشكلة، وهذا ما يغيب، للأسف الشديد، عن عمل معظم الجمعيات الخيرية التي تمارس عملاً تقليدياً منذ عشرات السنين، ولا رغبة لديها إلى اليوم في تغيير هذا العمل، فمازالت معظم جمعياتنا الخيرية تمارس نشاطاتها خارج الدولة، وتسهم بنسبة قليلة جداً من أموالها في أعمال خيرية داخل الدولة، ومازالت الغالبية العظمى منها تمارس العمل ذاته، فلم تخرج من دائرة بناء المساجد وحفر الآبار وكفالة اليتيم وكسوة العيد، بالتأكيد لا نختلف أبداً على أهمية هذه الأعمال، ولا نقلل من جهود أحد، ولكن الفكر يجب أن يتطور ليتخذ مسارات جديدة، مسارات متطورة تسهم في تنمية وتطوير الإنسان المحتاج ليسدّ حاجته بنفسه، ومسارات تعالج أساس المشكلة لا فروعها، ومسارات تسد الحاجة بشكل نهائي لا ثانوي، فأيهما أولى، على سبيل المثال، جمع مبلغ من المال لبناء مسكن دائم لمحتاج، أم مساعدته بمبلغ بسيط ليدفع إيجار مسكن له بشكل سنوي؟ بالتأكيد لا مقارنة بين العملين!

للأسف الشديد لم تسهم أي جمعية خيرية بالإمارات في مبادرة «مدن الخير»، مع أنها تدفع مبالغ كبيرة لمساعدات السكن والإيجار لحالات شبيهة بالحالات التي تستهدفها المبادرة، ومع أنها تمتلك مئات الملايين من الدراهم، التي تجمعها من المتبرعين ورجال الخير وكبار المساهمين في الدولة، وعلى الرغم من أن المبادرة تعتبر مهمة وحيوية لسد حاجة دائمة لعدد كبير من المواطنين، إلا أنها كفكرة لا تروق لهذه الجمعيات التي تفضل عملها التقليدي في قارتَي آسيا وإفريقيا، دون أن تجهد نفسها عناء التفكير في مشاريع خيرية متجددة ومتطورة وتخدم الإنسان بشكل مباشر ودائم!

مؤسسة دبي الإنسانية، التابعة لبنك دبي الإسلامي، هي الوحيدة التي فعلت ذلك، وهي الوحيدة من ضمن مئات المؤسسات الخيرية الإماراتية التي أسهمت بسخاء في خدمة المجتمع من خلال مساكن الخير!

reyami@emaratalyoum.com

twitter@samialreyami

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

الأكثر مشاركة