الأمة الوسط

الوسطية هي منهج الإسلام العام في عقائده وعباداته ومعاملاته، لأنه شرع الله الحنيف المائل عن الأديان الباطلة، وهو شرع الله الذي شرعه لمصلحة عباده العاجلة والآجلة، وهو شرع الله الذي ارتضاه لهم وجعله دينا قِيَماً ملة إبراهيم حنيفاً، شرعه سبحانه ليسعد عباده في الدنيا والآخرة إن استقاموا عليه، وأقامه على أساس الوسطية في كل شيء، كما عبر عن ذلك بقوله سبحانه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}، فبين الله تعالى أن هذه الأمة مجعولةٌ في الوسطية جَعلاً، فلا مجال لأن تغير وضعها الذي وضعها الله سبحانه وتعالى فيه، وقد رتب على ذلك قبول شهادتها على الأمم السابقة بأن رسلهم قد بلّغوهم شرائع الله تعالى التي حُمِّلوها وكلفت بها الأمم، ومن شأن الشاهد أن يكون عدلاً وإلا لم تقبل شهادته، كما هو قانون الشهادة، فكان ذكر الوسطية تزكية لهم، لذلك قبلت شهادتهم وقامت بها الحجة على الأمم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يجيء النبي ومعه الرجلان، ويجيء النبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، وأقل، فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: لا، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتدعى أمة محمد، فيقال: هل بلّغ هذا؟ فيقولون: نعم، فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبينا بذلك أن الرسل قد بلّغوا فصدقناه».

وأبرز دلائل هذه الوسطية عدم الغلو في الدين وعدم التفريط فيه.

أما الغلو، فهو التشدّد المختلق الذي لم يأذن به الله تعالى، وإن كان برغبة في التدين وحسن قصد، فإنه يكون مذموماً مقيتاً، وقد أنكره الله تعالى على أهل الكتاب، وهو إنكار علينا أيضاً؛ لأن ما كرهه الله تعالى لأمة لا يرضاه لأخرى، ولذلك أنكره صلى الله عليه وسلم على جِلّة أصحابه، فلم يقبل منهم التبتل، ولم يقبل اعتزالهم النساء وتركهم الطيبات، ولم يقبل منهم التشديد على أنفسهم في العبادة، ولم يقبل منهم مواصلة الصيام.. إلخ، وقال في حديثه المشهور: «يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وإن أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل»، وذلك هو ما أمر الله تعالى به عموم عباده بأن يتقوه بقدر استطاعتهم، وما أخبر به سبحانه من رفع الحرج عنهم وعدم تكليفهم بما هو فوق طاقتهم، كل ذلك ليحبوه ويحبوا شرعه، لأنه سبحانه يعلم ضعف عباده وسرعة تغيرهم، فشرع لهم ما يناسبهم في حالهم ومآلهم، كما قال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً}.

وأما التفريط فيه، وهو التساهل في شأنه بحيث يؤخذ منه ما يحلو وما يكيِّفه المرء لنفسه؛ فذلك تضييع للدين، فإن الله تعالى قد أكمل الدين وجعل له حدوداً من الأركان والأسباب والشروط والموانع، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم، ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها»، فلا يقبل من أحد أن يأتي فيفصل لنفسه ديناً على هواه، بدعوى عدم التشدد والغلو، فإن الالتزام بقواعد الشرع وعدم الخروج عنها ليس غلواً ولا جموداً ولا تزمتاً، كما يحلو للبعض أن يصف به المسلم الصالح، فلا يقبل من أحد انتهاك المحرمات بدعوى الضرورة التي يكيفها لنفسه، ولا يقبل من أحد التقصير في الواجبات بدعوى مزعومة عدم قدرته على أدائها، كما لا يقبل الجميع انتهاك القيم بدعوى تغير العادات، وبهذا حصل التوازن في الإسلام، فلا إفراط بغلو، ولا تفريط بتقصير، كما قال بعضهم:

ولا تغلُ في شيءٍ من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

الأكثر مشاركة