صنميّة الفكر

الفكر الثابت صنمٌ أيضاً، لذا فإن سكونيته واقتناع صاحبه بالثبات والحقيقة المطلقة التي يملكها، حكمَ على عقله بالجمود، وعلى ضميره بالموت، إذ يتعطل ولا يعود إلى طرح أسئلته التي تقتحم سكونه ودواخله كل حين، ولا يُبرزها خشيةً أو كسلاً ربما.. فالثبات الذي يؤمن به يجعله أكثر راحة وطمأنينة، ليغيب القلق والحاجة، فينقطع الإبداع والابتكار في هذا العقل.

لكن ونحن نشاهد الطبيعة من حولنا، نجد أن دوران الأرض حول الشمس يعني أن الأرض ليست مركز الكون، وهذا يعني أن الإنسان أيضاً ليس مركز الكون، وبالتالي فإن عقله ليس ثابتاً بحال، بل يدور متسائلاً كل حين، وهذا أيضاً لا يعني وصول العقل إلى الحقيقة المطلقة والثابتة أثناء ممارسته للتفكير والانتقاد وهو يشاهد.. ولن يتوقف طالما الأرض تدور، فالدوران حركة، والحراك نبض، وهذا النبض الشبيه بالحفر والتنقيب هو ضد السكون وضد الثبات، وإن شئنا ضد الاستقرار.

إذن حركة الأرض تعني التغيير في كل أمورنا، ورغم أنه تغيير نسبي، لكن لكل فرد منّا نصيب فيه وحصة، سنأخذه جميعاً، شئنا أم أبينا، ولن يفر أحد من ذلك، ويصبح مؤكداً أنه ليس من حق أحد أن يفرض هذا المطلق على الآخرين.

«العقل الناقد أخذ يتدهور في عالمنا العربي، ويضعف في قدراته ومهارات تفكيره، والنتيجة ظهور العقل الصنم الذي فقد قدرته على الإبداع».

من يفكر بالثبات هو إنسانٌ متهم بالحُمق أمام الآخر المستخدم لعقله، لأنه لا أحد يستطيع السيطرة على الوقت، فهو يمضي بنا دون أن يأخذ مشورة أحد، فإما أن نمضي معه أو أن يسبقنا، وبالتالي نتأخر، فنكتئب، ليأخذ هذا الاكتئاب طريقه إلى الجنون، إلى التغيير الهائج فجأة، لكن بقسوة وتكون على حساب الآخر، وهذا ما يسببه غالباً غياب العقل الناقد.

يمضي بنا الزمن ببطء كما أثبت آينشتاين في دراسته الفيزيائية عن تمدد هذا الوقت وبطئه أمام سرعة الضوء، فيحدث التراقص بين الساعات والمقاييس، لكن هذا لا يعني أن الفكر ثابت في عقل الإنسان المنتمي إلى طين هذا السطح الكروي «الأرض»، فآلة الزمن لدى آينشتاين في مسار دائري أيضاً، كل شيء يدور ويدور.. وبعد دورته الكاملة يعود إلى نقطة البدء.

وإن تركنا الفيزياء ومضينا إلى الفن، فالرسام الإسباني العبقري في لوحاته سلفادور دالي، يعبر لنا عن جنون هذا الوقت في لوحته الأشهر «إصرار الذاكرة» وهذا ما يعنينا هنا في معنى ثبات الذاكرة، حيث رسم فيها ساعات ذائبة، مبيناً موقفه النسبي أمام هذا الزمن النسبي، فكل شيء يمضي ولا مفر، وكذلك العقل النسبي، ليصبح الإنسان أحمق وجاهلاً إذا فرض علينا فكرته عن الحقيقة المطلقة.

لذا من الطبيعي في هذه الحياة أن نجد العقل الناقد هو من يُسير حركتها، وأعني به هو الذي يتحقق في نقده من صحة المعلومات المتاحة أمامنا.. ومن المؤسف أن هذا العقل الناقد أخذ يتدهور في عالمنا العربي، ويضعف في قدراته ومهارات تفكيره، ولم يعد ينمّيها أو يدرّبها كما يجب. والنتيجة ظهور العقل الصنم الذي فقد قدرته على الإبداع، وحتى على مواجهة المشكلات في حياته، وبالتالي أخذ يبحث عمّن يفكر نيابة عنه.

فمتى يفهم مريدو الحقيقة المطلقة والثابتة والكاملة أن تقوقعهم في هذه المساحة العقلية الراكدة ضد حركة الطبيعة التي نعيشها على أرضنا الدائرة؟ فالكمال تفكير أخرق يؤدي بنا إلى الهلاك، خصوصاً إذا انتهز الآخر صاحب الحقيقة المطلقة، واستغل هذا العقل النائم ليقضي به إلى حيثما يشاء وكيفما يشاء، لتصبح المشيئة بيده.

Reemalkamali@gmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها . 

الأكثر مشاركة