كيف يرفض المثقف الوزارة

الفنان محمد صبحي رفض تسلم حقيبة وزارة الثقافة في الحكومة المصرية الجديدة. الخبر أكده صبحي نفسه، وقال إن الفنان أو المثقف يمكنه خدمة بلده من مواقع عدة.

في الشكل يبدو الأمر غريباً على المستوى العربي.. أعني أن يرفض فنان أو مثقف مقعد الوزارة بالمطلق، ذلك أننا اعتدنا في بلادنا العربية على تهافت المثقفين ــ هنالك استثناءات دائماً ــ في مثل هذه الحالات، ليس هذا فحسب، وإنما نعرف أن كثيرين يلجأون إلى طرق ووسائل ملتوية للتقرب من السلطة والحصول على مكتسبات منها. ورفض محمد صبحي يعد استثناء أو شذوذاً بالمقاييس كلها، وهنا نقول إن هذا الرفض محمود من هذه الزاوية، فهو يعطي مثلاً لغيره من المثقفين والمواطنين لمعنى الانتماء للوطن من دون الحصول على مكتسبات شخصية مهمة أو صغيرة، وهو يرسي سابقة يمكن البناء عليها مستقبلاً، تجعل المثقف أكبر مما تتصور السلطة أحياناً، وأكبر مما يظن معظم المواطنين أيضاً. إنه يقول ببساطة للناس إن السلطة لا تستحق هذا الركض وراءها واللهاث، وإن الفنان أو المثقف يكون كبيراً بإبداعه وثقافته لا بوصوله إلى مقعد وزاري أو مقعد مشابه.

رفض محمد صبحي الوزارة يعطي مثلاً لغيره من المثقفين والمواطنين لمعنى الانتماء للوطن من دون الحصول على مكتسبات شخصية مهمة أو صغيرة، وهو يرسي سابقة يمكن البناء عليها مستقبلاً.

لكن إذا كان المثقف صادقاً مع ذاته، وصادقاً في انتمائه وولائه للوطن، فإن عليه ألا يتأخر عن خدمة وطنه، سواء كان ذلك من على مقعد الوزارة، أو من على خشبة المسرح.

ومن ناحية أخرى، فإن محمد صبحي يدرك الأوضاع الحرجة التي تمر بها مصر، ويعرف جيداً كمثقف صادق مع ذاته، أن الخروج من هذه الأوضاع يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. وهو بذلك يدرك أنه ربما لا يتمكن من تقديم ما يأمله المثقفون والمواطنون من فنان دأب على تقديم الانتماء الوطني والاهتمام بكرامة المثقفين والفنانين. وهو بذلك ربما يضع نفسه في موقع يجد أنه مضطر لاختلاق الأعذار الكاذبة، وربما يلجأ للتسويف، وربما إلى ممارسة صلاحيات لا يحبها مما يتعلق بالرقابة والمنع والإجازة، إضافة إلى ما تثيره الجوائز الأدبية والفنية من لغط مهما توافرت النزاهة. وباختصار فإن محمد صبحي ربما رأى أن الوقت الآن ليس مناسباً لهذه المهمة التي يتطلع إليها آخرون بلهفة.

وعلى الجانب الآخر، أليس هذا كله تخلياً عن المسؤولية؟ أليس فيه شكل من أشكال الهروب ورمي الكرة النارية في أيدي الآخرين؟ فإذا كان المثقف صادقاً مع ذاته، وصادقاً في انتمائه وولائه للوطن، فإن عليه ألا يتأخر عن خدمة وطنه، سواء كان ذلك من على مقعد الوزارة، أو من على خشبة المسرح، أو عبر صفحات كتاب ما. وإذا لم يتقدم المثقف لهذا الدور في مثل هذه الظروف الصعبة والحرجة، فهل يعني ذلك أن نترك المسؤولية لأشباه المثقفين أو للمتهافتين أو للفاسدين؟ وإذا كان المثقف يتهرب من صعوبة دور في الحياة العامة، فهل ينتظر استقرار الأمور من حوله لكي يصبح مسؤولاً قليل الأخطاء، وبعيداً من المحاسبة؟

وجهتا النظر ربما تكونان محقتين أو صائبتين، خصوصاً أن بلداً مثل مصر ربما يتوافر فيه الآن إجماع شعبي على ما قامت به السلطة من خطوات، تجعل كل من يتسلم موقعاً مسؤولاً فيها شخصاً محل ثقة إلى حد كبير.

نقدر للفنان محمد صبحي رفضه الارتماء والتهافت على السلطة، لكننا في الوقت نفسه نرى أن مثله هم من يجب أن يتسلموا قيادة الثقافة والفنون، وليس أولئك الذين لا يحلمون إلا باقتناص الفرص والسطو على ما يتيسر لهم في أي وقت.

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

 

 

الأكثر مشاركة