أبواب

القرضاوي.. ومنبر الفتنة

محمد حسن المرزوقي

تحت عنوان «إقصاء رجال الدين عن السياسة» يقول الدكتور يوسف القرضاوي في فتوى منشورة على موقعه الرسمي: «لا يوجد في الإسلام شيء اسمه رجل كهنوتي، إنما يوجد عالم دين، فعلماء الدين غير رجال الكهنوت، ولا يجوز أن يعزلوا عن السياسة».

وعلى الرغم من أن الفكر الإسلامي المعاصر يكرّر عبارة القرضاوي بحذافيرها (لا كهنوت في الإسلام) حتى أصبحت في حكم المسلمات التي لا تقبل النقض/النقص، إلا أن الواقع المعاش يقول شيئاً آخر، فالكهنوتية أصبحت أحد أكثر إفرازات الواقع وضوحاً ومشاهدة، وهناك ــ اليوم ــ خلط/تداخل جليّ، بين التديّن كممارسة تعبدية مجردة والتديّن منصباً لا علاقة له بتلك الممارسة الأولى.

** «كان القرضاوي يوزّع الفتاوى، بالجملة والمفرّق، التي تحرّض المؤمنين على الجهاد ضد الأميركان، وتحضّهم على بذل الغالي والأبناء، إلا أن أبناءه كان لهم وضع خاص، أو ربما (واسطة) بحكم وظيفة والدهم، فقد كان ابنه يتابع دراسته بفلوريدا، وابنته تدرس بتكساس، والابنة الصغرى تتابع دراستها في القاهرة.. ولكن بالجامعة الأميركية أيضاً».


** «استمر القرضاوي ــ حتى بعد أن وصل إلى أرذل العمر، وتسللت التجاعيد إلى عقله ــ في ضخ الفتاوى على المنابر وأمام كاميرات قناة (الجزيرة)، فكانت النتيجة المزيد من الأرواح التي راحت ضحية فتاواه في سورية وغيرها».

لنعترف إذاً: أن التديّن أفلت من إطاره الروحاني، وتحوّل إلى كهنوتية لها وجود راسخ في المجتمعات، وتأثير قد يفوق تأثير رجال السياسة أحياناً.

ولنعترف ثانياً: أن رجال الدين اليوم أكثر تمسكاً بهذه الكهنوتية من الساسة بمناصبهم، وفي حين أن السياسي قد يتخلى عن أو يُعزل من منصبه لتصريح أو قرار خاطئ قد يرتكبه، فإننا لم نسمع يوماً عن رجل دين تخلى عن كرسي الفتوى.

سبب ذلك في المقام الأول، تمترس رجل الدين خلف ما جاء في الحديث النبوي «من أخطأ فله أجر» التي تمنحه حصانة دينية لا يتمتع بها السياسي، أما السبب الآخر فلأن الكهنوتية هي المهنة الوحيدة التي لا يعرف لها صاحبها بديلاً، إذ لم نسمع يوماً عن رجل دين تقاعد من الفتوى، وتفرّغ للفن أو الأعمال الإنسانية مثلاً.

فرجل الدين لا يوجد تاريخ انتهاء صلاحية مطبوع على جمجمته، فهو يولد ويعيش ويموت على المنابر. ومنها يشحن الأكاذيب المكشوفة والمستترة ويصوبها في اتجاه خصومه كما فعل القرضاوي، أخيراً/مجدداً عندما هاجم من فوق منبره دولة الإمارات.

***

إبان حرب الخليج كان الدكتور يوسف القرضاوي يوزّع الفتاوى، بالجملة والمفرّق، التي تحرّض المؤمنين على الجهاد ضد الأميركان، وتحضّهم على بذل الغالي والنفيس والأبناء، إلا أن أبناءه كان لهم وضع خاص أو ربما «واسطة» بحكم وظيفة والدهم الكهنوتية، فقد كان ابنه يتابع دراسته في جامعة فلوريدا، وابنته تتابع دراستها في جامعة تكساس، والابنة الصغرى تتابع دراستها في القاهرة.. ولكن في الجامعة الأميركية أيضاً.

كان أبناء هذا الرجل يجاهدون طلباً للشهادة الأميركية، بينما أبناء الممسلمين يجاهدون ضد القوات الأميركية.

هذا التفريط في أرواح أبناء المسلمين، مع الحرص على سلامة أبنائه، دفع العديد من المثقفين ورجال الدين المعتدلين لحثّ القرضاوي يومها للتنحي عن منبر الفتوى، بعد أن اتضح أن الرجل وصل إلى أرذل العمر، وتسللت التجاعيد إلى عقله. ولكن لأن رجل الدين لا يعرف بديلاً لوظيفته، ولا يجيد غيرها ــ كما ذكرنا ــ قام القرضاوي بالتجديد لنفسه في منبر الفتوى، واستمر في ضخ هذه الفتاوى على المنابر وأمام كاميرات قناة «الجزيرة»، فكانت النتيجة المزيد والمزيد من الأرواح التي راحت ضحية فتاواه في سورية وغيرها.

إن الواقع اليوم ــ كما ألغى الجهاد بمفهومه الكلاسيكي، بسبب كلفته السياسية على المستويين الدولي والمحلي ــ يحتم علينا أن نلغي هذه الكهنوتية التي تسرّبت إلى الخطاب الديني المعاصر وسببّت للدول الكثير من الإحراج، وللمجتمعات الكثير من المتاعب، ولقلوب الأمهات الكثير من الألم.

al-marzooqi@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة