5 دقائق

عَبَسَ وَتَوَلَّى!

د.سعيد المظلوم

لهذه الآية قصة أنقلها، بتصرف: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الأعمى»، الأعمى هو ابن أم مكتوم، أتى محمداً وهو يحاور عتبة وأبا جهل وعباس بن عبدالمطلب وأبياً وأمية ابني خلف لإقناعهم بدعوته، فقام ابن أم مكتوم، وقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وجعل يكرر العبارة، قاطعاً كلام النبي معهم من دون أن يدري أن الرسول كان مهتماً بجذب المخَاطَبين للإسلام، فعبس وأعرض عنه، ثمّ تابع كلامه مع عِلْيةِ القوم، فنزلت هذه الآيات لتجعلَ نبينا إذا رآه يقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي!

إذا أسقطنا هذه الحادثة على واقعنا الحالي فسنجدها عند الكثيرين، ابتداءً من ذوي المناصب وانتهاءً بموظف الخدمة العادي، فثمة العابس الذي يتولى ـ من أصحاب الأبواب المغلقة أو الكاونترات ـ أمام المتعامل البسيط ، لكنه يفتحها لأصحاب الوجاهة والقرابة أو الزي، ويَهِشُّ ويبِشُّ لصاحبة الجمال والدلال!

«فثمة العابس الذي يتولى ـ من أصحاب الأبواب المغلقة أو الكاونترات ـ أمام المتعامل البسيط، لكنه يفتحها لأصحاب الوجاهة والقرابة أو الزي، ويَهِشُّ ويبِشُّ لصاحبة الجمال والدلال!»

كان والدي ـ رحمه الله ـ في سنوات عمره الأخيرة ـ لا يستطيع قيادةَ سيارته بنفسه، فكنت أحياناً أرافقه لتأدية بعض أشغاله، وذات مرة كنا بالقرب من هيئة كهرباء ومياه الشارقة - فرع حلوان، فقال لي: «خلنا نمر على عبدالرحيم، بومحمد يحب يساعد الناس ولا يفرق بينهم»، ولأنه (رحمه الله) لم يكن يستطيع المشي كان يطلب مني أن أناديه فيلبي طلبي ويأتي إلى السيارة للسلام عليه وإنهاء معاملته.

بعد فترة من الزمن دخلت فرعاً آخر للدائرة نفسها في منطقة «المجاز» ـ التي يقطن فيها أكثرية من الإخوة المقيمين العرب والأجانب ـ وفجأة وجدت عبدالرحيم أمامي، ورأيته ـ كعادته ـ يساعد الناس ويسعى لحل شكاواهم بأريحية ونشاط . عبدالرحيم السهلاوي أصبح اليوم متقاعداً ولا أدري إن كان نال حظه من التكريم الذي يستحقه، ولكن يبقى حب الناس له «بشهادة والدي الذي أحبّه وشهادة كل منْ يعرفه».

أكتب هذه الحكاية بإيحاء من خبرٍ يقول: دائرة حكومية تحيل موظفاً لديها للتحقيق، لأنه احتجز جواز متعامل آسيوي لم يعجبه شكل شنبه!

madhloom@hotmail.com

Saeed_AlSuwaidi@

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.

طباعة