وداعاً‭ ‬يا‭ ‬رمضان

ودعنا‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬بالأمس‭ ‬وداع‭ ‬وامق‭ ‬مفارق،‭ ‬يملؤ‭ ‬قلوبنا‭ ‬الأسى‭ ‬على‭ ‬نسمات‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭ ‬الإيمانية‭ ‬والروحية،‭ ‬والتلاوات‭ ‬القرآنية،‭ ‬والدعوات‭ ‬الضارعة‭ ‬لرب‭ ‬البرية،‭ ‬على‭ ‬الصفاء‭ ‬النفسي،‭ ‬والإخاء‭ ‬الإيماني،‭ ‬والعطف‭ ‬الإنساني،‭ ‬على‭ ‬الصيام‭ ‬والقيام،‭ ‬على‭ ‬التلذذ‭ ‬بالعبادة‭ ‬مع‭ ‬الجماعة،‭ ‬والوصال‭ ‬للأهل‭ ‬والأقارب‭ ‬والأباعد،‭ ‬أسى‭ ‬على‭ ‬أنا‭ ‬لم‭ ‬نزدد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الفضائل؛‭ ‬لأنها‭ ‬قلما‭ ‬تعود،‭ ‬وقلما‭ ‬نوفق‭ ‬لمثلها‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الذي‭ ‬أعاننا‭ ‬الله‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬الخيرات‭ ‬بتغليل‭ ‬مردة‭ ‬الشياطين‭ ‬الذين‭ ‬يضلون‭ ‬السبيل،‭ ‬أسى‭ ‬لا‭ ‬يُذهب‭ ‬أثرَه‭ ‬إلا‭ ‬لوعة‭ ‬العيد،‭ ‬وفضل‭ ‬الله‭ ‬المزيد،‭ ‬لخلقه‭ ‬العبيد،‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يتسع‭ ‬له‭ ‬العد،‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬غيره‭ ‬ذلك‭ ‬المد،‭ ‬شهر‭ ‬خصصنا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬ليكون‭ ‬لنا‭ ‬رصيدا‭ ‬لآخرتنا،‭ ‬وزادا‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬وآخرتنا‭. ‬أمضينا‭ ‬نهاره‭ ‬في‭ ‬الصيام‭ ‬والمراقبة‭ ‬لله‭ ‬ربنا‭ ‬الرحيم،‭ ‬وليله‭ ‬في‭ ‬الإخبات‭ ‬لوجهه‭ ‬الكريم،‭ ‬وقد‭ ‬أخبرنا‭ ‬سبحانه‭ ‬أن‭ ‬ثمرة‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬هي‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مرتبة‭ ‬التقوى‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ينالها‭ ‬إلا‭ ‬المقربون،‭ ‬فهل‭ ‬يا‭ ‬ترى‭ ‬أدركنا‭ ‬هذه‭ ‬الثمرة،‭ ‬فتحلينا‭ ‬بالتقوى‭ ‬وكنا‭ ‬من‭ ‬أهلها؟‭ ‬سؤال‭ ‬يحتاج‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬نفسه‭ ‬ليقرأ‭ ‬الجواب‭ ‬ويعرف‭ ‬الصواب،‭ ‬فإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تحلى‭ ‬بها‭ ‬فأنعم‭ ‬وأكرم،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬الفائزين،‭ ‬وليحافظ‭ ‬على‭ ‬مِنة‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬عليه،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أخفق‭ ‬فمضمار‭ ‬السباق‭ ‬لم‭ ‬ينته‭ ‬بعد،‭ ‬بل‭ ‬أمده‭ ‬بقية‭ ‬عمره،‭ ‬ولن‭ ‬يعجزه‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬سابقا‭ ‬أو‭ ‬مصليا‭. ‬إن‭ ‬وداعنا‭ ‬لهذا‭ ‬الشهر‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬طي‭ ‬صفحته‭ ‬المضيئة،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الشاعر‭:‬
إلى‭ ‬الحول‭ ‬ثم‭ ‬اسم‭ ‬السلام‭ ‬عليكما‭     ‬ومن‭ ‬يبك‭ ‬حولا‭ ‬كاملا‭ ‬فقد‭ ‬اعتذر
بل‭ ‬مفارقته‭ ‬لنا‭ ‬تعني‭ ‬أننا‭ ‬قد‭ ‬تخرجنا‭ ‬في‭ ‬مدرسته‭ ‬الراقية‭ ‬النموذجية‭ ‬بنجاح،‭ ‬وذلك‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬مقومات‭ ‬النجاح‭ ‬التي‭ ‬نلنا‭ ‬بها‭ ‬شهادة‭ ‬التفوق،‭ ‬وجائزة‭ ‬الجواد‭ ‬الكريم‭ ‬سبحانه‭ ‬الذي‭ ‬ينادي‭ ‬مناديه‭ ‬يوم‭ ‬العيد:‭ ‬‮«‬ألا‭ ‬إن‭ ‬ربكم‭ ‬قد‭ ‬غفر‭ ‬لكم،‭ ‬فارجعوا‭ ‬راشدين‭ ‬إلى‭ ‬رحالكم،‭ ‬فهو‭ ‬يوم‭ ‬الجائزة،‭ ‬ويسمى‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬يوم‭ ‬الجائزة‮»‬،‭ ‬
حسرتنا‭ ‬على‭ ‬مفارقته‭ ‬تعني‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬مرغوب‭ ‬عنه،‭ ‬فلا‭ ‬نهجره‭ ‬بالنسيان،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬دلائل‭ ‬محبتنا‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬نتبعه‭ ‬بصيام‭ ‬ست‭ ‬من‭ ‬شوال،‭ ‬أن‭ ‬نتزكى‭ ‬به‭ ‬بصيام‭ ‬الإثنين‭ ‬والخميس،‭ ‬وثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شهر،‭ ‬أن‭ ‬نتنفل‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬ستطعنا،‭ ‬أن‭ ‬نكفر‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬خطايانا‭ ‬من‭ ‬الحنث‭ ‬في‭ ‬الأيمان،‭ ‬أو‭ ‬معاصي‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬قد‭ ‬ألمَّ‭ ‬بها،‭ ‬فكفارة‭ ‬اليمين‭ ‬صيام‭ ‬عند‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬الإطعام،‭ ‬وكفارة‭ ‬الفطر‭ ‬من‭ ‬نهار‭ ‬رمضان‭ ‬عمدا‭ ‬صيام‭ ‬شهرين‭ ‬متتابعين،‭ ‬ومثلها‭ ‬كفارة‭ ‬الظهار‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬منكر‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬وزور،‭ ‬ومثله‭ ‬كفارة‭ ‬القتل‭ ‬خطأ‭ ‬أو‭ ‬عمدا،‭ ‬وكفارة‭ ‬التقصير‭ ‬في‭ ‬النسك‭ ‬بترك‭ ‬واجب‭ ‬أو‭ ‬فعل‭ ‬محظور‭ ‬صيام‭ ‬أو‭ ‬صدقة‭ ‬أو‭ ‬نسك،‭ ‬وأحيانا‭ ‬يكون‭ ‬الترتيب‭ ‬واجباً‭.. ‬جعل‭ ‬الشارع‭ ‬الكريم‭ ‬الصيام‭ ‬دواء‭ ‬لهذه‭ ‬الأدواء،‭ ‬ليزداد‭ ‬به‭ ‬المؤمن‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬زلفى،‭ ‬وله‭ ‬القربى،‭ ‬لأنه‭ ‬يزكي‭ ‬الأخلاق‭ ‬ويطهر‭ ‬النفوس،‭ ‬ويدني‭ ‬الصائم‭ ‬من‭ ‬حضرة‭ ‬مولاه‭ ‬لصدق‭ ‬معاملته‭ ‬معه‭ ‬وتعبده‭ ‬له،‭ ‬فيجزيه‭ ‬جزاءً‭ ‬غير‭ ‬مجذوذ‭ ‬‮ «‬إلا‭ ‬الصوم‭ ‬فإنه‭ ‬لي‭ ‬وأنا‭ ‬أجزي‭ ‬به‮»‬،‭ ‬إذاً‭ ‬فنحن‭ ‬لم‭ ‬نودع‭ ‬من‭ ‬الصيام‭ ‬إلا‭ ‬موسمه‭ ‬وشهره‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ظرفا‭ ‬لتنزل‭ ‬القرآن،‭ ‬لكن‭ ‬تلاوتنا‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬تنقطع‭ ‬بتوديع‭ ‬موسمه‭ ‬وشهره،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬نقرؤه‭ ‬آناء‭ ‬الليل‭ ‬وأطراف‭ ‬النهار،‭ ‬لأنه‭ ‬العهد‭ ‬الذي‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬ربنا‭ ‬سبحانه‭.‬

‬كبير‭ ‬مفتين‭ ‬مدير‭ ‬إدارة‭ ‬الإفتاء‭ ‬في‭ ‬دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة