تكريم مزوّر
ارتاح كثير من مديري المؤسسات والشركات والدوائر الحكومية من بروتوكول ثقيل يتكرر كل عام، في 8 مارس، إذ جرت العادة أن تُوكل إدارة المؤسسة إلى إحدى الزميلات العاملات، في ذلك اليوم، احتفالاً بها وتكريماً لها بيوم المرأة العالمي، هذه السنة كفى الله المديرين شرّ القيام عن كراسيهم، فقد صادف اليوم العالمي يوم عطلة رسمية، في جميع الدول العربية، والسبت كذلك يوم عطلة في معظم الدول «المستحضرة»، وما إن أتى الأحد حتى نسيت المرأة يومها العالمي، وتذكّرت كرسيها وطاولتها المتواضعين.
شخصياً أنا ضدّ هذا التقليد الجديد، لا بل وأشعر بأن تنصيب المرأة مسؤولة أولى في المؤسسة، في هذا اليوم تحديداً، هو تمييز ضدها لا معها، وإهانة لشعورها وكفاءتها، فالاحتفال والتكريم ليوم واحد فقط تكون فيه مجرد قطعة ديكور منزوعة الصلاحية، تماماً مثل طبخة الملوخية فهي لا تنفع ولا تضرّ فقط ملئاً للفراغ و«تمشاية» يوم لا أكثر، فما فائدة أن تجلس الزميلة على كرسي المدير، لكنها في ذلك اليوم لا تملك صلاحية التوقيع، أو الموافقة، أو تمثيل المؤسسة، وما فائدة أن تجلس خلف طاولة المسؤولية، بينما قد «بصمت» في الصباح، كأول موظفة تصل إلى مكتبها، بينما المدير لم يشرّف إلا بعد صلاة الظهر.
قبل سنتين، جلست إحدى الزميلات الصحافيات على كرسي رئيس التحرير يوم 8/3 بزهو وفرح شديدين، إذ لم تكن الزميلة الطيبة من قبل لتجرؤ على المرور من أمام مكتبه، أو إلقاء تحية الصباح عليه، في ذلك اليوم وبالمصادفة كنت أحمل مقالي لإجازته، ففوجئت بوجودها تعتلي عرش «الرئيس»، باركت لها يومها «العالمي» ثم قدّمت إليها مقالي، أخذت الزميلة المقال ثم أنزلته من تحت الطاولة «للرئيس» المتنحّي «مؤقتاً»، الذي يجلس على الكرسي المقابل، قرأه وشطب منه ما شطب ثم أعاده إليها، لتعيده بدورها إليَّ من فوق الطاولة.
في رأيي قبل أن نحتفل بها لمدة 12 ساعة، ثم نعيدها إلى مهنتها الأولى، حبذا لو قمنا بتجريف مجموعة الأمثال الشعبية، التي تملأ زوايا أدمغتنا التي لا تنفك من إهانة المرأة وتجريحها، مثل: «بالشارع عروسة وبالبيت جاموسة»، «لا تعطي سرك لمرأة»، و«المرأة مرمرة»، وغيرها العشرات.
فقط.. امنحوهن محبة بحجم «البصمة» في قلوبكم.. وأنا بالإنابة عنهن، أشكركم على هذا التكريم المزوّر.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه.