حقوق الوطن

الوطن هو البلد الذي إليه تُنمى، وبه تُحمى، وفيه تعيش وتُؤوى، تحمل جنسيته، وتستحق منه حقوقاً، وتبذل له واجبات، هو أحد مكونات المرء وجزء من حياته، حاجته إليه كحاجته إلى الطعام والشراب، بل إلى الهواء الذي لا يعيش الحي من دونه، فإن المرء لا يقدر أن يعيش هائماً على وجهه لا يجد لنفسه ملجأ ولا مصيراً، وإن كانت أرض الله واسعة، إلا أنها مع سعتها ضيقة بغير وطن يحويه ويحميه، فلا غرابة إذاً أن تكون محبة الوطن غريزة في النفس، بحكم ماله عليه من إفضال وإدلال، كما يقال في الحكمة: «حب الوطن من الإيمان».

لا جرم فإن المصطفى، صلى الله عليه وسلم، قد كان شديد التحنُّن لوطنه، ولولا أن أهله أخرجوه منه ما خرج كما ثبت أنه قال يوم خروجه منه مهاجراً إلى الله ليبلغ رسالة ربه «ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنت غيرك» وقد قالوا إن محبة الوطن دليل أصالة المرء ونبله، كما حكى الأصمعي عن أعرابي يقول: إذا أردت أن تعرف الرجل، فانظر كيف تحنُّنه إلى أوطانه، وتشوُّقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه»، لأن ذلك دليل الوفاء، وأصالة الآباء، وقد كان العرب يتمدحون بالاعتزاز بالوطن ويرونه من مفاخرهم الكبيرة ، كما قال ابن الرومي:

ولـي وطنٌ آليــتُ ألاّ أبـيـعه ولا أن أرى غيري له الدهرَ مالكا

عهدتُ به شَرخ الشباب ونِعمةً كنعمةِ قومٍ أصبحـوا في ظلالكا

لذلك فإن حقه على ساكنه كبير، وأمر هذا الحق شهير، وهو يتلخص بالآتي:

‬1 ـ صدق الانتماء وذلك يعني: الوفاء للوطن بحيث يكون له الولاء وبه البراء، ويحمى بالأموال والدماء، ولذلك شرع الدفاع عنه بما يمنع الظلم والاحتلال.

‬2 ـ النصح لولاته والمناصرة لهم في السراء والضراء، على المنشط والمكره، وذلك من أوجب واجبات الإسلام، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وقال عليه الصلاة والسلام «ثلاث لا يُغِل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم».

‬3 ـ السعي الحثيث لبنائه وعمارته وفق الخطط المنظمة والقوانين النافذة؛ لأن فيه المعاش وبه المصالح، وعمارة الأرض من مقاصد الشريعة ليستقيم حال الدين، ولا يستقيم إلا بصلاح الدنيا

‬4 ـ الرفعة من شأنه في كل المناسبات والفرص المتاحة؛ لأن خذلانه عند الحاجة من التنكر لفضله، وتشجيع أعدائهألا عليه، فيكون سبباً للإدالة عليه وعلى المجتمع، وما نيل من بلد نيلاً إلا بسبب خيانة من لا ولاء له لوطنه. وقد ضرب كعب بن مالك رضي الله عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا وضاقت عليهم الأرض بما رحُبت جراء المقاطعة التي فرضت عليهم؛ لتخلفهم عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في غزوة العُسرة، ضرب المثل العظيم في ولائه لوطنه ودينه؛ فإنه لما سِيم عليهما من ملك غسان، في الشام، لم يفرح بذلك، بل رأى أن ذلك من البلاء وسجَّر بكتابه التنور، فهذا هو حال الوطن في نفوس السلف الصالح، ولنا بهم قدوة وأسوة.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتبة يرجى النقر على اسمها .

الأكثر مشاركة