5 دقائق

هولندا وإن طال السفر!

سامي الخليفي

المسافة من ألمانيا إلى هولندا قصيرة، والشريط الحدودي بين الدولتين لا يختلف كثيراً عن أي شريط لأي مطرب مغمور تسمع عنه كثيراً لكنك لا تراه، ومنذ وصولنا أمستردام ونحن مصابون بصدمة حضارية سببها الشعب الذي يتفجر بنشاط وحيوية ولياقة بدنية عالية يحسده عليها أعتى مدرب كرة قدم في النيبال، وأعتقد والله العالم أنهم لا يعانون هنا ارتفاع الضغط أو السكر أو الواسطة أو الجلطة أو المحسوبية أو حتى الروماتيزم، وهم كسائر الأوروبيين محاصرون بالوقت حتى الثمالة، فكل إجراء بحساب وكل خطوة بقدر، والدنيا بخير وكل شيء مضبوط وعال العال، مادامت الأبقار تدر الحليب والأزهار تجلب العملة الصعبة.

أمستردام تعني زهرة التوليب والطواحين الهوائية والأجبان والغمام الهتون والمراعي الزمردية والدراجات الهوائية والنظام (حط خط تحت هالكلمة )، يومها بهرني ما رأيت وهزني ما شاهدت، فالطوابير في كل مكان ( تذكرني بطوابير الاكتتابات) طابور لشراء الخبز، وآخر لدخول السينما وثالث طال واستطال لشراء الكتب (أيوه يا عمي الكتب) فالجماعة يعتبرون الزعامة الثقافية كالزعامة الاقتصادية، ويقام خلال الأسبوع سوق متنقل لبيع الكتب وبسعر كيلو خيار، وامستردام تموج بكل الأشكال والأصناف من بني البشر، وكل واحد في حاله، يعني لن يعرفك أحد هنا حتى لو قضيت فيها سبع سنوات، وإن عضك الجوع أو عز عليك المأوى فلن تأخذهم بك رحمة (فلا شفقة هنا على ضعيف) لهذا تجد بائعين متجولين، ومتسولين مشردين يخطفون غذاءهم بالإغارة على أكوام القمامة.

من الصعب هنا أن تغش ومن الأصعب أن تبيع ضميرك، فالأسعار ثابتة وتغييرها يعتبر من أكبر وأخطر الموبقات، ومع احترامي لكل انتهازي أو حرامي يمكنني القول إن التجار هنا بكل أصنافهم، الحيتان منهم والأسماك الصغيرة، لا يتربصون بالزبائن تربص النمور الآسيوية الجائعة، وإن تجرأ مثلاً كبير خبازي المدينة ورفع سعر الصمون سنتاً واحداً لهاجت وماجت التظاهرات ولذهبوا إلى منزله وجرجروه وعبروا به من أمام محكمة جرائم الحرب في لاهاي، ولعلقوه على أقرب عمود نور لكي تأكل الطير من رأسه، وبالمناسبة إذا سألتم عن برنامجنا فكالعادة، ألغينا فكرة زيارة أماكن النخبة من ذوي الألباب، فأهملنا متحف «فان جوخ» و«منزل الرسام رامبرانت»، وفضلنا الذهاب للتسوق، وبما أن لكل عصر فتوحاته فقد توجنا فتوحاتنا بزيارة «دام سكوير» قلب امستردام النابض، ففيه تحديداً تجد المرأة كل ما تحتاج إليه من أخمص قدميها حتى منبت شعرها، ويجد فيه الرجل أيضاً أجهزة الصراف الآلي لدفع تكاليف ما تحتاج إليه المرأة، ويا قلبي من فضلك إحزن!

محطتنا المقبلة باريس.. على الوعد نلتقي!

samy_alain@hotmail.com  

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

طباعة