كل شيء على ما يرام

كنت كتبت هنا في البدايات، في شهر نيسان من هذا العام، متخوفاً مما يجري على امتداد الساحة العربية من حراك سياسي. وكان سبب هذا التخوف تحديدا، هو غياب العوامل الثقافية المؤثرة والفاعلة، التي يعتبرها علماء الاجتماع من الأساسيات المؤثرة في التغييرات الاجتماعية في أي زمان ومكان. واليوم، أرى أن هذا التخوف كان في مكانه وزمانه المناسبين، خصوصا ونحن ننظر إلى ما يجري على الساحتين التونسية والمصرية.

والمقصود بالعوامل الثقافية المؤثرة، هو التخلص من ثقافة سائدة ومكرسة، كانت دائما السند الرئيس لكل أسباب القهر والاستلاب والاستبداد أيضا. وهذه الثقافة لم يجر تكريسها وتحصينها بين يوم وآخر، وإنما احتاجت إلى عقود لكي تصبح فاعلة ومؤثرة. وتم تجنيد العديد من وسائل الترغيب والإكراه لكي تسود، ولكي يصبح الخروج عليها أمراً معقداً.

ومن الطبيعي في هذه الحال، أن يحتاج التخلص من هذه الثقافة أيضا إلى وقت معادل، وأن يتم تجنيد وسائل عدة في سبيل ذلك. وعندما نقول الثقافة السائدة، فإننا نعني عناصر الثقافة كلها، لا الآداب والفنون فحسب. وليس غريبا أن يتعامل مفكر كبير مثل« جاد دريدا » مع تناول الطعام مثلا بوصفه نصاً يحتاج إلى قراءة وتحليل. فهل كانت الثقافة عاملا رئيسا ومؤثرا في الحراك العربي؟

بالنظر إلى ما جرى ويجري، فإنه ينحصر في التخلص من سلطة قائمة هنا أو هناك. وحين يتم الحديث عن البدائل، فإن المثقفين أنفسهم يسارعون إلى التحصن بالديمقراطية. والديمقراطية جزء من منظومة ثقافية شاملة، وليست نظاما ثقافيا قائما بذاته. فالغرب الديمقراطي الذي نتغنى بثقافته وسياساته الاقتصادية أيضا، يبدو لنا مثالا ناصعا في الديمقراطية، وقد يكون كذلك في بعض جوانبه، خصوصاً حين ننظر إلى الديمقراطية بالتلازم مع الحرية الفردية. ولكن هذه الديمقراطية التي هي جزء من منظومة ثقافية، لم تمنع الغرب في يوم من الأيام من لعب دور الكاوبوي في أجزاء عدة من العالم، بل وفي الداخل أيضا، إذا ما تذكرنا الحقبة المكارثية الشهيرة في أميركا نفسها.

الديمقراطية نسق ثقافي ينبغي له أن يتضافر مع أنساق ثقافية أخرى، لكي نبني مجتمعا حديثا قائما على الحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان أينما وجد. وهو ما لم يحدث في الغرب طوال تسيده العالم فترة طويلة. لم يحدث لأن الأنساق الثقافية الأخرى ليست قائمة، بل العكس هو القائم والمهيمن. فقد شهد الغرب انتكاسات اقتصادية مريرة قادته إلى كوارث خلفت ملايين الضحايا، وكان السبب دائما يكمن في ثقافة تقوم على ساق واحدة. وهذا ما يجعلنا نرى الأحداث الشعبية الرافضة في الغرب اليوم انتفاضة ثقافية في المقام الرئيس، حتى ولو تلفعت بثوب اقتصادي. فالثقافة الغربية التي قامت على مركزية العقل الغربي وعلى السياسة الاقتصادية الليبرالية، همّشت الأغلبية العظمى من الناس، لأنها تنكرت لقيمة ثقافية أساسية هي العدل. ونحن اليوم في العالم العربي، نقوم بالتحصن بظاهرة ثقافية هي الديمقراطية، والانتخاب تحديدا، من دون أن نفكر في منظومة ثقافية شاملة تقودنا إلى التغيير الحقيقي.

يقول البعض إن الثورة تحتاج الى سنوات لكي تقيم مشروعها. وأنا أتفق مع هذا الرأي بالطبع. ولكن، هل من أحد يدلني على مشروع ثقافي ثوري يسند هذا الحراك؟ انظروا فقط إلى عقلية الانتقام والثأر السائدة لكي تعرفوا الجواب، فكل شيء على ما يرام، أليس كذلك؟

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة