((همف.. اصطلب !))

كثيراً ما نزور دولاً عربية أخرى في الصيف، وكثيراً ما نغبطهم على تلك القدرة الخارقة على الاستمتاع ببسيط المتاع، وعلى القدرة على الإحساس بالسعادة لأبسط الأمور، وعلى القدرة على التعبير عن العواطف والأحاسيس من دون اعتبارات بروتوكولية أو اجتماعية معقدة..

أول ما تقابله لدى نزولك في أي من مطارات «الوجهات التقليدية» في الدول العربية، هي تلك العوائل التي تنتظر والداً أو ابناً أو قريباً، منهم من يحمل الورد ومنهم الجاهز للاحتضان على طريقة الإخوة «الباتان»، ومنهم من جهز علبة «ماكنتوش» أو «جواهر» لإلقائها على القادم سعيد الحظ.. عد بالذاكرة إلى مطاراتنا المحلية فلن تجد أياً من هذه المظاهر في ثقافتنا، لأنها ببساطة عيب وفضيحة، ولأننا نخجل من إبداء عواطفنا حياءً من الآخرين دائماً، وإذا جربت ذات مرة أن تحتضن أحداً فأول ما سيقوله لك هو «همف.. اصطلب»!.. دع عنك أن تقوم بشراء ورد لعزيز قادم أو قريب مسافر فستصبح «مصخرة الفريج» وستسمع مصطلح «وابويي» بشكل كبير، وبالطبع هناك استثناء وحيد في حال كون القادمة من «حلوين المشم»، أما أن تقوم بشراء علبة من الشوكولاتة لإلقائها فستكون قد جنيت على نفسك وعلى أبنائك من بعدك، على نفسك لأن الصور ستنتشر كانتشار النار في الـ«بلاك بيري» وهي تحمل عبارة «خبيل في مطار دبي»، وبجوارها ذلك الوجه الأصفر الأصلع وهو يبتسم، وستجني على أبنائك من بعدك لأن ذريتك ولأجيال قادمة عدة سيحملون لقب «قوم بوشكليته» أو «با شكليت» أو «الشكالته» بحسب انتمائك القبلي والعائلي..

دع عنك الاستقبالات في المطارات وانظر إلى طقوس الأعراس والاحتفالات بتكوين الأسر المنظمة إلى دوري المحترفين، ترَ سعادة حقيقية، سيارات تحمل أثاث العروسين وتظاهرة فرح بسيطة ولكنها سعيدة جداً، لم أقاوم فضولي بسؤال أحد الزملاء العرب، الذي كان قد زوج ابنته في حفل شعبي صاخب امتد إلى الصباح، عن كلفة هذه التظاهرة المليونية فأخبرني بأنها كلفته ما يقرب من 15 ألف درهم، قارن هذا بمجالس العزاء لدينا التي تكلف نصف مليون، ثم يصر الجميع على تسميتها بـ«الأفراح الملاح»!

تعاملهم مع أبنائهم وأطفالهم أيضاً تراه بلا قيود مصطنعة، يتركون أبناءهم يعبرون عن طفولتهم بشكل يحولهم في المستقبل إلى ثرثارين لكثرة ما منحوا الحرية على الكلام في طفولتهم، أما نحن فنصبح في خارج المنزل أجهزة رقابة على أبنائنا خوفاً من أن يفشلونا بعبارة «جائع» أو «أريد الذهاب إلى الحمام» أو «بابا ليش خلصت فلوسك» أو ربما في حالات متقدمة من العُقد خوفاً من أن «ينقع» الطفل في الرمسة فيكتشف القوم بأنه ليس أصيلاً!

كم نرغب في احتضان أو أن يحضننا الكثير ممن نحب حتى تحطيم الضلوع عندما نراهم بعد غياب، ولكنها القيود الاجتماعية التي خلقناها لأنفسنا، وعسى رحمة الله أن تدركنا قبل أن نصل إلى مرحلة الرجل الذي قيل له «أرأيت إن كان الله نزع الرحمة من قلبك فما ذنبي ؟».

 

shwaikh@eim.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة