فليذهب المشاركون إلى الجحيم!
عجز العرب عن الإبداع في مجال إنتاج البرامج، وهذا ليس بجديد ولا غريب، فالعرب عاجزون عن أمور كثيرة، وليس الإنتاج البرامجي استثناءً في ذلك، ولكن الغريب في الأمر أننا فاشلون حتى في تقليد البرامج الشهيرة، فلم نعد نستوعب ما يناسب المجتمعات العربية مما لا يناسبها، ولا يمكن أن يناسبها يوماً!
هناك فروقات كبيرة في القيم بين الشرق والغرب، فالمال قيمة عليا وأساسية في عالم الغرب، وهو الأساس الذي تقوم عليه بقية القيم، ولا قيمة لأشياء أخرى إن قورنت بالقيمة المالية، هكذا هي حياتهم، ونحن لا ننكرها عليهم، لكننا لا يمكن أن نعتبر المال في هذا الجزء من العالم هو القيمة الأساسية الكبرى التي يمكن أن تتجاوز القيم الأخلاقية والدينية والمجتمعية.
من هذا المنطلق فإن برنامجاً مثل «لحظة الحقيقة» قد يكون من أنجح البرامج غرباً، فلا قيود على الأسئلة، ولا قيود على الإجابة، ولا مشكلة في الأخلاق والقيم الاجتماعية، ما دام المال موجوداً، ولكل إجابة ثمن مباشر من الدولارات، ومن الطبيعي جداً أن تقر المرأة بخيانة زوجها، في إجابة لسؤال الـ1000 دولار، وتجيب أيضاً بنعم جواباً لسؤال يليه حول عدد مرات الخيانة إن كانت أكثر من ثلاث مرات، وزوجها يجلس بين الحضور يصفق بشدة لأن مبلغ الدولارات يتزايد مع كل إجابة، أما الإجابات وحيثياتها فلا تهمه كثيراً.
يحصل ذلك في الغرب، لكن الشرق مختلف، وتقليد كل الأفكار وتعريب جميع البرامج حماقة حقيقية، لا يمكن قبولها. صحيح أن هناك مجموعة من الضحايا قبلوا بشكل أو بآخر الظهور، تحت إغراء المال، لكن نتيجة ذلك كانت قاسية جداً عليهم، وعلى حياتهم الشخصية، التي لم تعد شخصية بعد ظهورهم على الهواء يتحدثون عن سوءاتهم أمام ملايين البشر.
لم تنفعهم ولن تنفعهم أبداً كلمات الطمأنينة التي يبثها في كل لحظة الممثل المذيع، فالبرنامج يهدف إلى تقديم الصراحة ويحث على الشجاعة والجرأة، ولا يهدف إلى « خراب البيوت» وإثارة المشكلات، كما يكرر دائماً، كأنه يدرك في قرارة نفسه أن ما يقوله مجرد هراء لا معنى له، فالحقيقة أن البرنامج هو بالفعل «خراب بيوت»، ولا يمكن قبوله في أي من مجتمعاتنا العربية.
ما القيمة الحقيقية التي يمكن أن تضيفها 10 آلاف أو حتى 100 ألف ريال، مقابل دموع أب اكتشف أن ابنه يتمنى لو كان له أب سواه؟ وماذا تساوي أمام الإيقاع بين زوجة وأم اكتشفت إحداهما أن الثانية لا تكنّ لها أي مودة إلا لدواعي المجاملة؟ وما قيمة الـ10 آلاف ريال بعد أن تكتشف الزوجة أن زوجها نادم وبشدة على اقترانه بها؟ والأهم من ذلك كله، ما الفائدة الحقيقية التي يمكن أن يجنيها المشاهد من الاستماع أو مشاهدة كل ذلك، وما المعلومة المفيدة أالتي يمكن أن يحتفظ بها في إجابات مثل تلك الأسئلة؟!
إنها ليست لحظة الحقيقة، بل هي لحظة الضعف أمام إغراء المال، تتبعها لحظة الندم الشديد، وهو ما كان ظاهراً على معظم المشاركين، إنها لحظة انهيار القيم، والجري وراء تقليد الآخرين بشكل سمج، إنها أيضاً لحظة استغلال الناس وتحويلهم إلى ضحايا من أجل نجاح برنامج، وليذهب المشاركون بعد عرض الحلقة إلى الجحيم.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .