أيّ ملاذٍ آمن تريد؟!

لماذا يبحث القذافي الآن عن ملاذٍ آمن، وبأيّ حق يمكن له الخروج من ليبيا من دون حساب أو عقاب على جرائمه ضدّ البشر والشعب والإنسانية، أي أمن وأمان ينشدهما لنفسه وأبنائه، وقد حرم شعب ليبيا منهما طوال 42 عاماً، ولم يكتفِ بذلك، بل ختمها بقتل وقصف وحرق وإبادة للشعب الذي يدعي أنه أعطاه الحكم والسلطة منذ عام 1977؟!

أيّ كرامة ومكانة لائقة يتحدث عنها القذافي ويريد المحافظة عليها اليوم بعد فوات الأمان، هل هي تلك المكانة التي أضحكت العالم على شخصه، وأبكتهم على الشعب الليبي، في كل شبر شبر، ودار دار، وبيت بيت، وفي كل زنقة زنقة، من أرجاء العالم الفسيح؟!

حتماً سيجد القذافي المجد الذي يبحث عنه إلى درجة الهوس، وسيجد العظمة التي حولته إلى مريض نفسي، لكن سيجدهما في خانة من منع أكل الملوخية، ومن حرق روما وقتل أمه وعذّب شعبه، وخانة أنور خوجة، ونيكولاي شاوشيسكو، فالتاريخ يمجد العظماء والمجانين على حدّ سواء، مع حفظ الفارق الشاسع بينهما، فالعظماء يكتب التاريخ أسماءهم على صفحاته بخطوط من ذهب، أما مجانين السلطة والبطش، فللتاريخ مزبلة كبيرة يقبعون فيها.

سيبقى القذافي خالداً، وستبقى أقواله مأثورة لن ينساها التاريخ، فأوباما هو أبوعمامة، وشكسبير هو الشيخ زبير، والمرأة امرأة، لأنها تحيض وتحمل، والرجل رجل، لأنه لا يحيض ولا يحمل، وأخيراً «بيت بيت.. زنقة زنقة»، ألا يستحق صاحب النظرية العالمية الثالثة، وصاحب الكتاب الأخضر، وصاحب هذه الكلمات، الخلود والمجد؟ نعم يستحق، لكن قبل ذلك فهو يستحق العقاب بقسوة لا تقل عن قسوته على الأبرياء والعزّل ومن حوّل أجسادهم إلى أشلاء متناثرة!

لم يفاجئنا ذلك المصدر المقرّب من القذافي، الذي قال للشقيقة صحيفة «البيان»، إن العقيد يعاني حالات عصبية حادة، جعلته يكثر من أدوية الأعصاب والمخ، فكل من شاهده وهو يقف للمرة الأولى بعد الأحداث بجانب «التك تك» الشهير، ومن ثم يلقي كلمته الأسطورية الخالدة، التي وصف شعبه فيها بالجرذان، كل من شاهد وتابع وسمع تصريحاته المختلفة، يدرك تماماً أن هناك بالفعل حبوب هلوسة منتشرة، ليست في ليبيا كما يدّعون، إنما في دائرة العقيد الضيقة الخاصة!

الدائرة الواسعة بدأت تضيق على الزعيم الليبي وقائدالثورة وملك ملوك إفريقيا، إذ بدأ فعلياً بإجراء اتصالات مع دول عربية وإفريقية، بحثاً عن ملاذ آمن، يؤمن له الخروج من ليبيا من دون المساس بشخصه وكرامته، ولا أعتقد أبداً أنه سيجد ذلك الملاذ الذي يبحث عنه، فهو لا يستحقه، والشعب الليبي وحده اليوم من يملك قرار تحديد مصير الأخ قائد الثورة، كما كان الزعيم متحكماً بمصير هذا الشعب طوال 42 عاماً.

الشعب الليبي هو صاحب القرار، لأنه الشعب الوحيد في العالم الذي عاش الفوضى طوال سنوات حكم القذافي، فلا دولة ولا قانون، ولا مؤسسات، ولا نظام ، ولا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على بال بشر، وجود بقعة من العالم الحديث تناظر جماهيرية العقيد، ألا يستحق الشعب بعد ذلك كله تقرير مصيره والعودة إلى الحياة مجدداً؟

reyami@emaratalyoum.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

الأكثر مشاركة