«خلاص فهمتكوا»!
لا أجمل من انتصار جهة حكومية لمظالم الناس، ولا أروع من تجاوب الجهات مع معاناة أفراد المجتمع، ونستطيع أن نجزم بأن قرار المصرف المركزي الإماراتي التدخل لوضع سقف أعلى للرسوم المصرفية، هو أحد أهم وأقوى وأسعد القرارات التي اتخذت منذ مطلع العام الجاري، وكأن المصرف بذلك قد قال للمواطنين والمقيمين المتضررين من جبروت المصارف والبنوك: «خلاص فهمتكوا»!
قصة وتطورات ما حدث في قطاع المصارف، هي بالفعل قصة نجاح تحتاج إلى تعميم، وتستحق أن تكون مثالاً لأفضل الممارسات تتبعه القطاعات الأخرى، فالقضية تفاعلت منذ ظهور شكاوى صغيرة تلقاها «الخط الساخن» في «الإمارات اليوم»، وتطورت إلى حملة إعلامية تبنتها الصحيفة، بسبب تصاعد الشكاوى، وإمعان المصارف في استباحة أموال الناس، وانتهت باقتناع المسؤولين في المصرف المركزي بضرورة التراجع عن الموقف السابق الذي يقضي بعدم التدخل في هذا الأمر، بل تحول المصرف المركزي من موقف الشاهد الصامت إلى موقف صاحب السلطة الصارم في تطبيق النظام، وفقاً لمصالح المجتمع وأفراده، مع عدم المساس بمصالح البنوك أيضاً، بمعنى أصح إعطاء كل ذي حق حقه، وليس الإفراط في أخذ الحقوق وغير الحقوق بمنطق القوة فقط!
ولا أروع من الاعتراف بالخطأ، إلا تصحيحه، وهذا ما يجعلنا نقف احتراماً لمحافظ المصرف المركزي سلطان ناصر السويدي، الذي قال: «لقد عدل المصرف عن رأيه السابق بعدم التدخل في رسوم الخدمات لثلاثة أسباب، هي مبالغة وعدم معقولية الرسوم المفروضة من البنوك، وورود كثير من الشكاوى من متعاملين تضرروا من هذه الرسوم، فضلاً عن أن مقارنة أسعار الخدمات التي تقدمها المصارف بدول مجاورة تدل على أنها مرتفعة وبشدة في الإمارات».
هذه الأمور الثلاثة هي بالفعل حقائق واقعية تعرض لها المودعون والمستثمرون في البنوك والمصارف المحلية طوال فترة طويلة، أدت إلى تضاعف أرباح تلك المصارف ووصولها إلى مليارات عدة، ما شجعها على الاستمرار في المبالغة، ووصلت إلى درجة «سألنا فرعون مين فرعنك، قال ما حد ردني»!
والأحد الماضي جاء من يرد المصارف، وبالتأكيد لم يتخذ المصرف المركزي قراره إلا بعد أن أخضع العملية لدراسات مكثفة، واستشار أيضاً البنوك في ذلك، وبالتالي فلا خوف على النظام المصرفي بل على العكس من ذلك، فالنظام بصورته الجديدة «يحقق التوازن المطلوب، ويؤدي إلى الإفصاح بشكل كبير، ما ينعكس على سهولة التعامل مع البنوك، ويحقق لها أرباحاً معقولة». قضية رسوم المصارف ونهايتها السعيدة، هي أبلغ رد على جميع الجهات التي تعتقد أنها لن تستطيع التغيير، والتي أصيبت داخلياً بالإحباط، فهي تعتقد أنها أضعف من المواجهة المحتملة مع أي من قطاعات العمل الخاص، لكن الحقيقة التي أكدها المصرف المركزي أن الجهات الحكومية هي الأقوى، وهي الفيصل بين القطاع الخاص وأفراد المجتمع، ومتى ما تحركت وتدخلت فإن لتدخلاتها مفعول السحر، وبإمكانها تغيير الواقع، وتحقيق التوازن بين مصالح الشركات والبنوك ومختلف قطاعات العمل الخاص وشبه الخاص، ومصالح المواطنين والمقيمين والمستثمرين، ومعادلة هذا التوازن هي التي تحقق في نهاية الأمر المصلحة العليا للدولة، وهي التي تحقق التنمية الاقتصادية، وتستطيع أن تضمن تدوير عجلة الاقتصاد بطريقة سليمة، بل هي الأساس في تحقيق الرفاه والطفرة الاقتصادية على المدى البعيد.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .