في الحدث

وطن يعيش فينا

خالد محمود

لو لم تكن للانتفاضة المصرية الجارية من مزايا، سوى أنها أعادت اللُحمة بين جميع مكونات الوطن الواحد، فإن ما فعلته في هذا الصدد، يكفي ويزيد، فالناس تتذكر حجم التأجيج الطائفي الذي كان دائراً في البلاد بين كل الطوائف، المسلمين والمسيحيين، والنوبيين والسيناوية، بل حتى الجنوبيين الصعايدة، قبيل الأحداث الأخيرة، وكانت ذروة الطائفية أحداث الإسكندرية، التي رأت فتنة مفتعلة بين الأشقاء المسلمين والمسيحيين.

لقد اختفى هذا المشهد البغيض، كأن لم يكن، وشاهد الناس الجمعة الماضية مئات الأقباط يحمون عبر سلاسل بشرية آلافاً من أشقائهم المسلمين، وهم يؤدون صلاة الجمعة، من هراوات البوليس وتجاوزاته، كما شاهدوا أيضاً، أول من أمس، الأشقاء الأقباط، وهم يؤدون قداسهم في ميدان التحرير، يحتضنهم في ودّ 100 ألف مسلم.

«ملحمة التحرير»، أعادت إلى الأذهان ذكريات ثورة ،1919 ومساراتها بالضبط، فالسنوات التي سبقت الثورة، وتحديداً عام ،1911 شهدت افتعالاً لفتنة طائفية، كادت تودي بالبلاد، لكن ما إن تفجرت الهبّة الوطنية، حتى فوجئ الجميع، بتلاحم وصلت ذروته الخطابات التي كان يلقيها القمص سرجيوس في الأزهر، داعياً الأمة إلى التوحد، والدعاء الذي ألفه أمير الشعراء، أحمد شوقي، بطلب من محمد محمود باشا، ليتلى في المساجد والكنائس في وقت واحد، يدعو فيه المصريون بنَفس واحد، أن يوفق (وفدهم) في الحصول على الاستقلال.

فعلاً، ما قالته التجربة المصرية في ثانية بميدان التحرير، فشلت في أن تقوله مجلدات في سنين، وهو دليل جديد على أن حكايات الفتنة المذهبية والطائفية في أوطاننا العربية مفتعلة، ودليل أيضاً على أن رياح الحرية حين تهب، تخلق فيها الأمم من جديد.

alayak2005@yahoo.com

 لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة