5 دقائق

زعامات

حمدان الشاعر

خوف.. أمل.. ترقب.. تلك هي حال أهالي جنوب إفريقيا القلقين جداً على صحة زعيمهم «نيلسون مانديلا»، فهذا الملقب بـ(ماديبا)، أي العظيم المبجل لدى شعبه لم يكن كذلك، إلا لأنه كان ولايزال رمزاً للنضال المشرف والكبرياء النبيل، حتى صار مضرب المثل في العزة والكرامة لدى الشرفاء في أصقاع العالم. يبقى «مانديلا» نموذجاً عالمياً في نضاله الذي استمر ما يقارب الثلاثة عقود من دون كلل أو تنازل، ومن دون مساومة أو مهادنة لجلاديه.

أحبه شعبه لأنه كان سبباً في التغيير وفي الحرية، ولأن نضاله كان نابعاً من إيمان مطلق بعدالة قضيته وبحق شعبه في الحرية، مانديلا الذي ناهز الـ92 عاماً لازال محبوباً لدى شعبه، ولازال زعيماً باقتدار، فقد ناضل وضحى بأجمل سنين عمره ليجلب لشعبه الأمل والخلاص، وعلى النقيض من ذلك رزئت بعض الشعوب بزعامات متطفلة تجيء في مسارات لا يحكمها السياق المنطقي للتاريخ، يأتي طغاة مصادفة لسدة الحكم بلا تضحيات مشهودة أو تاريخ وطني يشفع لها، أو حتى دراية في شؤون الحكم وإدارة البلاد، فإذا استوثق هذا الطاغية من حكمه صارت سلطته مطلقة وسبيله القمع والظلم فغدا مستبداً يحكم شعبه بالحديد والنار، وكما يقول الكواكبي «يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم»، وهذا ما يعانيه كثير من المجتمعات التي ابتليت بزعامات نهجها في الحكم هو الظلم والقهر وتلجيم الأفواه وسحق المعارضة، وصولاً إلى امتهان كرامة البشر وهدر حقوقهم واحتقار عقولهم، يساعده على ذلك حاشية فاسدة تزيّن له ما يفعل وتقرّه على مظالمه وتشاركه سلب مقدرات الناس وحقوقهم.

الزعامة أن تكون واحداً من الشعب مسكوناً بحب الوطن، مهموماً بتحقيق آمال شعبك، والزعماء الحقيقيون كُثر ممن يذكرهم تاريخ أوطانهم وتسطع أسماؤهم في سماوات الخلود، فتجدهم في ذاكرة الكبار ومناهج الصغار، فحب الوطن لديهم غير قابل للمساومة ولا لرهانات بين المصلحة العامة والخاصة، أما الطغاة فلا وطن يتسع لهم، فلو أحب الطاغية وطنه لتحوّل إلى نموذج للعدالة والإنسانية، وإلاّ كيف يفرط الطغاة في أراضيهم وبشرهم وتراث أوطانهم.

لن يعيش مانديلا طويلاً.. لكنه سيظل حياً في قلوب شعبه وتاريخ البشرية، وسيظل رمزاً للبطولة الإنسانية للأبد، لأنه امتلك حباً صادقاً لوطنه بعيداً عن أية بطولات وهمية، واستمات في إعلان هذا الحب والدفاع عنه حتى آخر أنفاس الحرية، أما الطغاة فلا مصير لهم سوى اللعنات تلاحقهم في منافيهم وحتى قبورهم، وفي الآخرة لهم الخزي وسوء العاقبة.

hkshaer@dm.gov.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة