أبواب

المثقف مستجيباً لا فاعلاً

يوسف ضمرة

المقاربة التي يقدمها بعض المثقفين للحال الثقافية العربية، تظل غالباً مجتزأة، فهي مقاربة فيها نوع من الفصل الحاد بين أنسجة المجتمع العربي كله، فالثقافة ليست مجرد أدب وشعر وقصة وما شابه ذلك، وإنما هي أيضا وفي المقام الرئيس رؤية سياسية واجتماعية للواقع والطموح والتحولات والاختلالات والهواجس والأحلام، أي إنها رؤية شمولية وليست مقصورة على بعض الأنواع الأدبية والفنية.

هذه المقاربة تجعل المثقفين العرب في حال محاورة الذات، لا في حال محاورة الراهن والماضي واستنطاقهما للسؤال عن المستقبل، وهي مقاربة ستكون معزولة ونخبوية بالضرورة، لأنها لا تأخذ في الاعتبار المكون الرئيس للمجتمع، وهم الناس، بكل أطيافهم وطبقاتهم وشرائحهم.

وهذه المقاربة غالبا ما تفاجئ المثقفين بتحولات اجتماعية وثقافية وسياسية، لم يكونوا يلمحونها أو يفكرون فيها، لأنهم ابتعدوا في مقاربتهم عن هذا الحراك الاجتماعي الداخلي وغير المرئي والمسموع، إلا ممن يعيرون آذانهم وعيونهم لما يتحرك تحت السطوح البائنة.

وفي يقيني أن المثقفين التونسيين والسودانيين واللبنانيين فوجئوا بالتحولات العاصفة التي أصابت مجتمعاتهم، وهي تحولات ليست عابرة أو وقتية وآنية، وإنما أخذت تترك آثارها الواضحة في تحديد مستقبل هذه المجتمعات، ولاتزال تحمل الكثير من ملامح التغيرات الاجتماعية والسياسية المقبلة.

ولا يمكن تسمية هذا إلا بالانعزال الكلي والمطلق، فقد بدا واضحا أن المثقف العربي الخارج من الريف ومن الطبقات المسحوقة والمتوسطة، سرعان ما ينجذب كالفراشة إلى نار التوهج الذاتي، الأمر الذي يراكم لديه طموحات أصغر بكثير من طموحات الجماعة التي خرج منها، وكان من الضروري أن يمثلها، بوصفها الرحم الحقيقية الحامل والمنجبة.

ستتخلى القضايا القومية والطبقية عن أهميتها لدى المثقف العربي، بمجرد شعوره بأن فرصة التتويج الذاتي أصبحت ممكنة، وقريبة جدا، وليس غريبا أن نشهد الكثير من التقلبات في المواقف والرؤى عند المثقف العربي، انسجاما مع رؤيته الضيقة التي ضاقت معها القضايا والهموم والمشكلات والتطلعات الإنسانية الجمعية.

هذا لا يعني أن ينخرط المثقف العربي في التنظيمات السياسية مباشرة، وأن يكون نقابيا عماليا بالضرورة، لكنه يعني أن يظل وفيا لما هو أكبر من همومه الفردية والذاتية، التي أصبحت هي السمة الأبرز للمثقفين العرب.

وليس من باب التهويل القول، إن المثقفين العرب أخذوا في العقود الأخيرة، يشكلون جماعة مستقلة عن الطبقات الاجتماعية القائمة، وهي جماعة أخذت تنسحب تدريجيا من البنية الاجتماعية القائمة، وتتنكر لها، بدعوى الحداثة وما بعد الحداثة والحرية الفردية التي نجلها قيمة إنسانية في السياق الاجتماعي العام، فالحرية الفردية لا تعني فقط حرية الكاتب، وإنما تعني حرية الإنسان، ما يعني أن على الكاتب أن يعلي من شأن هذه القيمة على إطلاقها، وكذلك الحال مع القيم الإنسانية الأخرى.

سيكون المثقف العربي مجرد صوت معزول دون أي قيمة حقيقية، ما لم يظل ملتصقا بالجماعة، وهذا الالتصاق لا يعني تقييد الكاتب أو المثقف في حركته وفي أفكاره وآرائه، ولكنه يعني الإصغاء الكلي والأمين إلى نبض الجماعة، الذي يخبر المثقف بمكنونات الناس وهواجسهم وأحلامهم المشروعة، ومن دون ذلك، فإن كل ما يقوم به المثقف لن يشكل أكثر من استجابة للتحولات القائمة، من دون أن يكون شريكا أو فاعلا فيها، الأمر الذي قد يخرجها عن مسارها المطلوب.

damra1953@yahoo.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه

طباعة