5دقائق

العمل الأمل

حمدان الشاعر

كم كان رفضه مؤلماً وقاسياً، كونه «عاطلاً عن العمل»، فعندما أقدم الشاب التونسي «محمد البوعزيزي» على حرق نفسه كان يريد أن يراه الآخرون، ليشعروا بحجم المأساة التي يعيشها، فلقد وصل حجم البطالة في الوطن العربي إلى قرابة الـ14٪، وهو رقم مخيف يعكس مدى العجز الذي تعانيه حكوماتنا من فكر تستطيع به أن تنهي هذه الأزمة التي هي بلا شك قنبلة موقوتة، فعلى الرغم من أن البطالة أزمة عالمية تستفحل اليوم جراء كساد اقتصادي قاتم، فإنها تظل شأناً محلياً لكل قطر ينبغي على الحكومات إزاءه أن تسعى حثيثاً نحو وضع الخطط والبرامج الكفيلة بتشغيل شبابها، وتوفير فرص عمل لائقة بهم وبطاقاتهم المعطلة، خصوصاً أن تفشي البطالة يؤدي إلى أزمات أخرى أكثر خطورة، فالبطالة طريق سالكة إلى أزمات أمنية واجتماعية كثيرة تفتك بالدول، ونجاح الحكومات تلعب فيه مؤشرات خفض البطالة دوراً رئيساً، لأنها دليل نجاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية، الهادفة إلى تنمية مستدامة على الرغم مما يعتري ذلك من تحديات كبيرة ومعقدة.

هذا المطلب يعد اليوم محكاً أساسياً لأي مسؤول ويقع ضمن أولوياته وبرامجه، فالالتزام المهني والوطني يفرض على الحكومات البحث عن حلول ناجعة لهذه الأزمة، خصوصاً أن كل عام تزداد أعداد خريجي الجامعات والمعاهد وغيرهم من الشباب الباحثين عن فرص عمل، وتزداد بالتالي التحديات عاماً بعد آخر، وقد تتحول إلى كرة ثلج يصعب تفاديها إن لم يفق المسؤولون لها بوعي وإدراك.

يخطئ كثيرون حين يربطون سوق العمل بمخرجات التعليم العالي، إذ لا يتصور أن يكون جميع الباحثين عن وظيفة هم من الأطباء والمحاسبين والمهندسين، بل هناك الكثير ممن لم تسعفهم ظروفهم لنيل حظ من التعليم، وبالتالي يجب كذلك توفير فرص عمل مناسبة لهم، تتوافق مع إمكاناتهم ومهاراتهم، فالوظيفة تعني فرصة لإنشاء أسرة، ولتحقيق احتياجات اجتماعية أساسية، فالأسرة هنا هي أهم مؤسسة اجتماعية يقوم على أكتافها وطن بأكمله، وعلى الحكومات النظر إلى هذه القضية بجدية، عبر صناعة مناخات للعمل تتضمن مشروعات وطنية كبرى، تستوعب مواطنيها، وتستثمر كفاءاتهم وقدراتهم، وليس عبر الارتهان لمشروعات غربية تتضمن تنازلات كثيرة من أجل جذب الاستثمار الأجنبي، فالتخطيط الهادف المبني على استراتيجيات وطنية هو حجر الأساس في أية عملية تنموية، تستهدف ضمان الأمن الوطني والسلم الاجتماعي.

العمل أمل.. فعندما احترقت آمال «البوعزيزي» حرق نفسه، لأنه فقد أمله بأن يحيا إنساناً منتجاً وفاعلا، أو أن يكون مؤثراً ومستقلاً، فنيران الحريق كانت بالنسبة إليه أهون بكثير من الحياة عالة على غيره في انتظار من دون أمل أو كرامة.

أسفاً «محمد البوعزيزي» لست وحدك، فهناك ملايين ولعل صوت جلدك المشتعل سيكون سبباً لإنقاذ غيرك، وإيقاف هذا الهدر الإنساني المستعر.

 hkshaer@dm.gov.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة