الوفاء المنشود
الوفاء خلق عظيم، لا يتحلى به إلا رجل كريم، ولا يتخلى عنه إلا لئيم، لا يعتبر بين الناس، ولا يصلح أن يذكر بالإيناس، وهو عزيز في الرجال، يضرب بصاحبه المثل كالسمَوْأَل، الذي ذهب وفاؤه مثلا، وذكره جَلَلا،ولعزته لم يوصف به في القرآن على التحديد إلا إبراهيمُ عليه السلام بقوله سبحانه: {وَإِبْرَاهِيمَ الذِي وَفى}، ومع كثرة ما ندب الله إليه، وحث عليه، وذم تاركيه، إلا أنك تجد أكثر الناس يشكون من فقده بينهم، حتى قال بعضهم:
أما الوفاء فشيءٌ قد سمعت به ... وما وجدتُ له عيناً ولا أثرا
ولعل السر في ذلك اختلاف معادن البشر، فإن منهم من هو كالجوهر، ومنهم كالمدر، وقد ورد أن «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقِهوا»، والمعادن النفيسة عزيزة الوجود،لا تدرك إلا بالكد في الاستخراج، فكذلك المروءة في الرجال، والوفاء لا يوجد إلا ممن كان من هذا المعدن النفيس، ولا ريب أن كل الناس يتمنون أن يكونوا من ذلك المعدن، إلا أنهم يريدون من غير سعي، ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فإن من لم يكن من ذلك طبعا فليكن منه كسبا، فإن الأخلاق الفاضلة تكتسب بالارتياض والتعلم، كالعلم، كما ورد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعا: «إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه»، والذي يحمل عليه هو وازع الإيمان بالملك الديان الذي أمر به بمثل قوله: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِن الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}، والعهد ما عهد لله به لعبده، وما عهد به العباد لبعضهم من حقوق ومعروف، كما قال صلى الله عليه وسلم: «حسن العهد من الإيمان»، فمن وفَى لله بالإيمان الذي أخذ عليه العهد به فهو وفي لله، ومن تنكر لذلك العهد فهو الناكث لعهده، ومن وفى بعقوده ووعوده ومعروف الآخرين عليه وصحبتهم له، فهو الوفي، و إلا فإنه معزى بخلق الوفاء الذي يتمدح به الأولياء والأصفياء و الأخيار، أسوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان أوفى الخلق لله، وأوفاهم لخلق الله من بشر وحيوان وجماد، وقريب وبعيد وموال ومجانف، قبل النبوة وبعدها، بوقائع لا تعد، وأوصاف لا تحد، كما قال فيه بعض أصحابه الذين عرفوه:
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمةً من محمد
ومع هذه الأسوة الحسنة إلا أن كثيراً من الناس تركوها؛ لبعدهم عن هدي نبيهم، وكثرة الماديات بينهم، وإعراضهم عن الهَدي القويم والصراط المستقيم،
وإذا كان أهله قليلا في ما مضى فقد صاروا اليوم أقل من القليل، كما قالوا:
وقد كانوا إذا عُدوا قليلاً ... فقد صاروا أقل من القليل
وليس هذا عذراً لأحد في تركه، فإن المروءة فريضة إيمانية واجتماعية،
كما قيل في منثور الحكم: أكرم الشيم أرعاها للذمم.
وفي ذلك يقول بعضهم:
إن الوفاء على الكريم فريضةٌ واللؤم مقرون بذي الإخلاف
فما أجدر المسلم بهذه الفضائل، فإنه أحق بها وأهلها، فإن لم يكن كذلك فعلى الدنيا السلام.
كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي
لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .