رؤية

الحروب البيولوجية واقتصادنا الوطني

نجيب الشامسي

لقد تحولت أسلحة الحروب الاقتصادية التي تشنها الدول «المتحضرة» ضدّ الدول النامية، إلى أسلحة أكثر فتكاً وشراسة من ذي قبل، بعد أن دخل السلاح البيولوجي ميدان هذه الحروب، لتحقق دول العالم الصناعي وشركاتها، أهدافها الاستراتيجية في ابتزاز العالم الثالث، ومكاسب مالية ضخمة، والحيلولة دون تحقيق هدف دول العالم الثالث في التنمية، والانعتاق من رهن التخلف.

فقد أصبحت شركات تلك الدول، وبمباركة من حكوماتها، تنشر أوبئة بيولوجية، لتدمير أي محاولات تنموية في عالمنا الثالث، فمن مرض أنفلونزا الطيور، إلى أنفلونزا الخنازير، ثم أنفلونزا الماعز، وقبل ذلك «حمى الوادي المتصدع»، وهناك أمراض جديدة جارٍ تصنيعها في مختبرات الدول «المتحضرة»، لتصديرها مستقبلاً إلى دولنا، لمزيد من الابتزاز الدولي، وربما نتذكر هنا «علة القرن» في نهاية القرن الماضي، حينما ابتزتنا شركات الكمبيوتر، مليارات الدولارات، بحجة التغيير الرقمي في حاسباتنا، مستغلة عدم فهمنا الجوانب الفنية في تلك الحاسبات.

وها هي الإمارات تُستهدف من تلك الحروب التي تؤثر سلباً في الاقتصاد ومشروعات التنمية، وتشكل لها صدمات اقتصادية واجتماعية عنيفة، وكأنه لا يكفي الإمارات، واقتصادها، وميزانياتها، تكبدها تلك الخسائر الصعبة من جراء تأثير الأزمة المالية العالمية، حتى تأتي صدمة تفشي وباء «أنفلونزا الخنازير»،

فقد أثار تفشي هذا الوباء هلعاً وخوفاً في أوساط المواطنين والمستثمرين والمقيمين في الإمارات، كما هي حال دول مجلس التعاون الأخرى، والدول العربية عموماً، واضطرت الحكومة إلى رصد ميزانية تقدر بمئات الملايين من الدراهم لمواجهة تداعيات هذا الوباء، ودخلت مع الشركات المنتجة في مفاوضات صعبة لتوفير اللقاح لعلاجه، أما المستفيد الأول فهو شركات إنتاج الأدوية العالمية التي يبدو أنها كانت جاهزة ومعدة سلفاً لإنتاج المصل المضادّ لمرض أنفلونزا الخنازير، لتحقق مكاسب وأرباحاً قياسية، بعد أن سعت إليها دولنا، ومنها الإمارات، للحصول على ذلك المضادّ، فشركة «غلاكسو سميث كلاين» وحدها حققت أكثر من 17 مليار دولار أرباحاً صافية من مبيعات الأمصال المضادة خلال الربع الأخير من عام .2009

وأمام هذه الأعباء المالية الصعبة، اضطرت دولنا، ومنها الإمارات، إلى اللجوء إلى شركات محلية مصنّعة للمصل المضادّ، لكن هذه الشركات اضطرت إلى شراء المواد الخام، وتكنولوجيا التصنيع من الشركات الأم المنتجة للمصل ذاته.

وهكذا تستمر الحروب البيولوجية ذات البعد الاقتصادي، لتحقيق مكاسب اقتصادية تنعش اقتصادات الدول المصنّعة والمصدّرة لتلك الأمراض، وجارٍ التحضير حتماً لمرض جديد هو «أنفلونزا الماعز» الذي يتطلب من الإمارات وبقية دول العالم، وضع خطة طوارئ، ورصد ميزانية جديدة لمواجهته، والتحضير لتبعاته ودفع ثمنه.

وفيما مختبرات الدول «المتحضرة» تعمل على تصنيع وباء جديد، وشركاتها تعمل على تصنيع مصل العلاج، علينا نحن أن نرصد ميزانيات طوارئ بهذا الشأن.

alshamsi.n@hotmail.com

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

طباعة