5 دقائق

بين النجاح والفشل

حمدان الشاعر

بعد سباق ماراثوني طويل من التصفيات وحتى النهائيات انفض مهرجان كأس العالم لكرة القدم مخلّفاً نجاحات شتى وإخفاقات عديدة، فشئنا أم أبينا فقد استطاعت الآلة الإعلامية أن تجعل من كأس العالم حدثاً يطغى على غيره في السياسة أو الاقتصاد أو حتى أخبار الحروب والصراعات. ولأن التنافس عموماً لا يكسب فيه الجميع، بل لابد فيه من خاسر، فإن النجاح يظل هدفاً أسمى وغاية يستميت الكل لتحقيقها، تعددت في ذلك الوسائل والغايات.

بين النجاح والفشل هوة كبيرة لا يمكن جسرها إلا بناءً على معطيات أكيدة من الإعداد والتجهيز، وإيمان مطلق بضرورة اختيار الفريق القادر على إحراز النجاح والظفر بالبطولة، من خلال قائد قادر على إدارة فريقه بذكاء واقعي وفهم حقيقي للظروف المحيطة به، ودراسة مفصلة لإمكانات الخصم وعناصر قوته.

وهذا النجاح ليس مرتبطاً بعالم المستديرة فحسب، بل هو نظام حياتي وشأن قيادي، يرتكز على ذكاء الإدارة القادر على توطين عناصر القوة لخدمة الهدف، والتدريب المتواصل بلا كلل أو يأس، وإخلاص حقيقي لإتقان العمل وتطويره. هذه شفرة النجاح التي كانت سبباً في نجاح فريق واحد فقط بين 32 فريقاً.

بين البرازيل والأرجنتين ما صنع الحداد، وبين مارادونا وبيليه شتائم وسباب وتلاسن مزمن وخلاف كوكبي حول أي منهما الأفضل، فقد خرجت البرازيل، صاحبة التاريخ العريق، من دون أن تترك بصمة تشفع لها، كما خرجت الأرجنتين بعد هزيمة نكراء لا تليق بها. ولأن الكرة في هاتين الدولتين شأن سياسي ومصدر كبرياء وطني، فإن الخروج الكارثي يعد أزمة لابد من إدارتها على مستوى القيادة السياسية، إلا أن ثمة بوناً شاسعاً في إدارة الأزمة بين هاتين الدولتين، ففي الوقت الذي تطرد فيه البرازيل مدربها، فإن الأرجنتين تستجدي بطلها السابق أن يظل على رأس قيادة الفريق. ورغم أن هناك شبه إجماع على أن الإدارة السيئة لمارادونا هي سبب الخروج الحزين للفريق الأرجنتيني، فإن الكل يطلب بقاءه، فلقد كانت إقالة مدرب البرازيل محاولة أخرى للنجاح، ولكن ما تفعله الأرجنتين هو إصرار على الفشل، حتى لو كان الرهان على أفضل لاعب في التاريخ، فليس المهم ماذا أنجز في ماضيه، ولكن المهم الآن هو مدى كفاءته وقدرته على قيادة فريقه نحو النجاح.

النجاح ليس ضرباً من ضروب المستحيل. إنه ممكن جداً في حالة حصرية واحدة، هي الاختيار البعيد عن العاطفة والعلاقات الشخصية والمحاباة القائمة على الولاء والنفاق. ضريبة باهضة كانت للبرازيل والأرجنتين على حد سواء. لكن المهم من سيضحك منهما في احتفال مقبل أو بطولات مقبلة. لننتظر ونرَ!

hkshaer@dm.gov.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه . 

طباعة