في الحدث

حدود الاستثناء الإسرائيلي

خالد محمود

لايمكن، مهما حاولنا من تكيف وانحناء للريح، أن ندرك حدود الاستثناء والتنطع فوق القانون الذي يريد منحه متنفذو العالم لاسرائيل.

فإسرائيل- من دون خلق الله - من حقها إقامة دولة على أسس دينية وأسطورية، ومن حقها افتراض أن شعباً بأكمله، هو الشعب الفلسطيني، غير موجود، وبالتالي إقامة دولة فوق أرضه، ومن حقها أيضاً طرد هذا الشعب ومعاقبته بعدم العودة، لأنه قاوم المحتل المستوطن عام 1929 و،1936 وتعاطف مع الجيوش العربية لحمايته عام ،1948 ومن حقها شطب المبدأ الإنساني بحق الشعوب في النضال المسلح دفاعاً عن أوطانها، واعتبار هذا النضال جريمة، ومن حقها أيضاً رفض كل القوانين الأممية التي لا تروق لها، ومن حقها أيضاً، علاوة على تجريم مقاومتها عسكرياً تجريم مقاومتها سلمياً، ومن حقها فوق هذا وذاك رفض التفاوض- مهما تنازل المتفاوضون- بالقول كفتوات الملاهي الليلية «أنا لا أرى شريكاً يمكن أن أجلس معه»، ومن حقها ممارسة الاغتيالات خارج دائرة القانون، ومن حقها، كما حدث أول من أمس، التمسك بأن تملك وحدها سلاحاً نووياً في الشرق الأوسط، وتأمر العالم بأن يهدم الدول المحيطة بها على رؤوس أصحابها إذا فكروا في «نووي»، كما أن من حقها، كما حدث أمس، أن تذهب عشرات الكيلومترات في البحر لتذبح نشطاء مسالمين، من أي جنسية، تعاطفوا مع محاصري غزة وجاؤوهم بالدواء والغذاء.

لا يعرف أحد، مهما أوتي من علم وحدس، آخر رخصة الاستثناء الاسرائيلي الممهور بضمانة الحاضن الأميركي، وقد يبدو في ظل أوهام القوة وضلالاتها أن هذه الرخصة ستدوم إلى الأبد.

لكنْ ثمة سؤال لا ينبع من الجعجعة العربية المعتادة المتوعدة بالثأر، أو من تلاميذ مدرستي أحمد سعيد، وسعيد الصحاف وصيحاتهم الجوفاء، سؤال في لحظة تأمل لمسار التاريخ الانساني واستحقاقاته: هل يعتقد هذا الكيان المتعجرف أن 60 عاماً من البلطجة والمذابح هي نهاية التاريخ؟ وهل يعتقد هؤلاء الذين جاءوا بزعم أنه كان لهم موقع قدم هنا من 200 عام أن من فقدوا منازلهم امس سينسونها؟ وهل الامبراطوريات الحاضنة خالدة؟ ألم ينته الاتحاد السوفييتي في ليلة؟ ألم تتحول بريطانيا إلى وزارة خارجية لأميركا في سنوات؟ ثم ما آخر هذا الإرث من العربدة والمجازر والتصرف فوق القانون؟ هل يسير في فراغ؟ وهل التاريخ والضمير الإنساني أن تعطلا يوماً أو عقوداً سيظلان هكذا إلى الأبد؟ وهل هذه المنطقة بكل ما يجري فيها من كوارث بملايينها التي تنهل من العلم والثقافة، وتتطور ولو ببطء نحو الديمقراطية والحياة ستظل في ركود إلى الأبد؟

مجرد أسئلة لا تعني الشعوب العربية، التي سحل أفرادها بأكثر من اضعاف طاقاتهم، كما هو واضح، بل للعالم ولإسرائيل ذاتها، التي لم تترك لأجيالها سوى مزارع من الألغام والأشواك.

alayak2005@yahoo.com

طباعة