كيف نكتب نصوصنا؟
في حوار جرى بيني وبين صديق لي ناقد حول دراسات «الإيدولوجيا وجمالية السينما»، التي نشرت في مجلة ـ السينما الوثائقية الفصلية، حيث وجدها تتوقف عند الإيدولوجيا أكثر مما تفعل في تناول الجمالية، ويعيد السبب إلى توافر معاجم ومصادر كثيرة، حول الإيدولوجيا، بينما لا تتوافر مصادر كافية حول الجمالية، على هذا لم يفعل الدارسون سوى ترديد هوامش عن الإيدولوجيا، وانصرفوا عن تناول الجمالية. ويستنتج من ذلك، أنه الوحيد بينهم، الذي كتب دراسته انطلاقاً من «رؤية خاصة» انطلق منها، في تحليل شخصي صرف للأفلام، ولم يستعن بدراسات المنظرين، أكانوا من الإيدولوجيين أو السينمائيين، لأن الزمن، ببساطة، تجاوز تنظيراتهم!
وبما أننا نرى، على عكس ذلك، أن كل مجالات البحث الفلسفي أو الفكري، الأدبي أو الفني، لا يمكن أن تُنجز من دون أن يرجع باحثوها إلى من سبقهم، فيحق لنا أن نتساءل:
هل نحن على يقين أننا نؤلف أقوالنا الصرفة؟
تؤكد نظرية التناص أن النص، لا ينشأ، عادةً، من فراغ، ولا يظهر في فراغ، بل إنه يكون في حالة تناص مع نصوص أخرى، تُلقي بظلالها عليه، ويصبح، بهذا، نصاً مفتوحاً، يتمثل نصوص من سبقوه، ويتيح، في الوقت نفسه، الفرصة أمام قرائه، ليتعرفوا، إلى نصوص أخرى، ألهمت معنى نصه ووهبته قيمته. ويبين لنا باختين في مفهوم «تعدد الأصوات» وجود في كل ما نقول أصوات عديدة تعمل، وإن أنا الكاتب، وهي تقترب من نصوص أخرى، حتى وإن تجاهلت أصولها أو غُيبت مصادرها، تنفتح في سياق بنيتها النصية، على نصوص عديدة، تحاورها، وتختلف معها، لتزيحها وتحتل مكانها، من دون أن تلغي قوة تأثيرها.
لنأخذ، مثلاً، نص «علم جمال السينما» للفرنسي هنري آجيل، وهو دراسة تاريخية في نشوء وتطور نظرية وجمالية السينما، لنرى أن مؤلفه يحيلنا في فصله الأول «ازدهار حلم» وعدد صفحاته 39 صفحة، إلى 67 هامشاًأ من أصل 52 مصدراً! ونراه، أكثر من ذلك، يعترف، بأن مجمل عمله، يدين بالكثير لكتاب «تاريخ نظريات الفيلم» العظيم لمؤلفه الإيطالي غويدو أريستاركو. أيضاً نجد في كتاب «اللغة والإبداع الأدبي» للناقد د. محمد العبد، الصادر عن دار الفكر ـ القاهرة ،1989 أن مقدمته «مدخل نظري في علم اللغة وتحليل النص»، تحيل هوامشها إلى أكثر من 70 مصدراً، علماً بأنها مؤلفة من 37 صفحة.
نذكر، كذلك، أن النقاد الأوربيين، ومن بينهم كلود ليفي شتراوس وغريماس، عندما اكتشفوا نص «مورفولوجيا الحكاية» لفلاديمير بروب، الذي ابتكر فيه بنية الحكايات الشعبية السحرية، تعمقوا في اكتشافاته، التي منحتهم الفرصة، لإعادة النظر في بحوثهم السيميائية، السردية والأدبية، وفقاً لتصور علمي جديد، لم يكن تحقيقه مُمكنّاً، من دون الرجوع إلى كتابه المنهجي الرائد.
المهم ألا تنعزل نظريات النقد الأدبية أو الفنية عن التيارات الرديفة، لأن المهم، أيضاً، أن يُعمق «النص المفتوح» مدارك قرائنا ويُغني حاجاتهم الجمالية، ولن ننسى، بهذا الصدد، حكمة بريشت، التي تقول: «أنا أفكر برؤوس الآخرين والآخرون يفكرون برأسي، وهذا هو التفكير الصحيح».