‏‏

‏جنودنا في أفغانستان ‏

‏يقول الكاتب الأميركي الشهير نعوم تشومسكي، إن في الولايات المتحدة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان للإعلام والرأسمالية المتشددة دور كبير في تحطيم المجتمع المدني. وأنا أعتقد بأن الحالة شبيهة هنا في دول الخليج والإمارات، ولكن سببها المادية التي تؤثر في المواطن والمقيم. غياب المجتمع المدني واضح، ليس فقط في اللامبالاة بالأمور البيئية والإسراف في استخدام الكهرباء، ولكن أيضاً حتى في أحوال 1300 جندي إماراتي يحفظون الأمن في أفغانستان، بينما تقرأون هذه الأسطر. الولايات المتحدة لديها 100 ألف جندي في أفغانستان، في حين عدد سكانها 300 مليون، والإمارات لديها مئات الجنود في حين عدد المواطنين 800 ألف. أي أن عدد الجنود الاماراتيين نسبة الى عدد السكان مشابه لعدد الجنود الأميركيين، ولكن قارنوا بين أداء الإعلام الأميركي والإماراتي في تغطية أخبار جنودنا الشجعان، ففي أميركا لا يكاد يمضي يوم لا تنقل فيه وسائل الإعلام أنباء جنودهم وما يقومون به في تلك الدولة، وفي الإمارات نادر جداً أن تقرأ عما يقوم به جنودنا من توزيع المؤن أو حماية عمال الإغاثة.

وفي رأيي أن اللامبالاة في هذا الموضوع ترجع إلى الاهتمام بأمور أخرى. فالتشدد في الرأسمالية أنتج مجتمعاً مادياً للغاية لا يعير أموراً كثيرة أي اهتمام، مادام ليس لها تأثير مادي مباشر فينا.

قامت مستشارة لأحد المجالس الوطنية الأوروبية في شؤون الشرق الأوسط منذ أسبوعين بزيارة المنطقة، وسألتني عن سبب غياب اهتمام المواطنين الإماراتيين بأحوال أفغانستان، بينما لدينا جنود يحفظون السلام في تلك الدولة. لم أستطع الإجابة وتساءلت بعدها إن كان عدم اهتمامنا يرجع سببه إلى قلة التغطية الإعلامية، أم إذا كان الإعلام يعكس اهتمامات الشعب؟ فنحن لا نقرأ عن جنودنا في الجرائد أو المجلات التي تنشر في الدولة، ولا نشاهد نقاشاً على القنوات الفضائية العديدة التي تبث من هنا، ولا نسمع عنهم في الراديو. في زياراتي إلى الكثير من المجالس المنتشرة في الدولة أستمع إلى نقاشات ساخنة بها آراء مختلفة، ولكن ليست عن أحوال جنودنا الأبطال أبداً، بل عادةً ما تكون عن آخر مباراة كرة قدم. فعدد قليل من الإماراتيين غير المتصلين بالجيش يعرف اسم غانم المزروعي قائد قواتنا في أفغانستان، ولكن الكثير منا سمع بالجنرال ستالي ماكريستال أو ديفد باترياس. والقليل منا يعرف عن المهام التي يقوم بها جنودنا من توزيع المساعدات على المواطنين الفقراء، إلى إمامة الصلاة بهم. ونشرت الـ«بي بي سي» عن أن الثقة بين الأفغان زادت عندما علموا بأن هؤلاء إماراتيون. أتساءل: يا ترى هل سأجد ملصقات للسيارات تقول «أنا أقف مع جنودنا في أفغانستان»، كما هو الحال في أميركا؟ أو هل يا ترى سينشد أحد الشعراء عن شجاعتهم؟ وأين النقاش في المجتمع المدني عن أحوالهم؟ فوجودهم كان بأمر من والدنا الشيخ زايد طيب الله ثراه واهتمامه بأحوال المسلمين منذ ما يقارب ثماني سنوات، ومازال إعلامنا ومجتمعنا يجهل أبسط المعلومات عنهم.

لا يمكنني أن أفكر في أمر أهم من أحوال وصحة جنودنا الأبطال في أفغانستان، الذين هم - للأسف الشديد - غائبون عن صفحات الجرائد ودوائر النقاش. فالواضح أننا لا نهتم بهم كما يجب، كما لا نهتم بأمور كثيرة غير مادية، مثل البيئة في دولتنا وهويتنا الوطنية. فهل يا ترى نظرية نعوم تشومسكي عن تدمير الرأسمالية المتشددة للمجتمع المدني تنطبق على الإمارات؟

طباعة