كيف يموت هؤلاء؟

صلاح بوفروشة الفلاسي

قد سبق القدر الحذر، وما كنت أحلم به ساقني إلى باب أجهله، والآن ينبغي أن أترك خلفي أهل بيت ضمّني، ورفاقاً ما حسبت بينهم وقتاً ولا خبراً، إنها رحلتي الأخيرة!

عذراً إلى قارئ كلماتي.. كنت أسرد تمتمة جاد بها شاب تُوفيَ في حادث تصادم مركبته ذات الدفع الرباعي، من جراء انحرافها وصدمها شاحنة تسير في خط سيرها الصحيح، كنت هناك حيث الحادث كان مروعاً، رغم أن واجبي يحتم علي أداء مهام معينة، إلا أن منظر ذاك الجسد الملطخ بالدماء والإصابات، انتزع مني ثواني قادتني بعيداً، حيث كان المتوفى يناور الطريق كأنه وحيد محلق في السماء الواسعة، تمنيته كذلك، ولكن طائراً مقاتلاً يذود عن سماء الإمارات الحبيبة، تمنيته عريساً يخطف ود وإعجاب ابنة الإمارات الأصيلة، ليته كان طبيباً يقدر على جبر إصابته التي أزهقت روحه، لماذا لم ينتظر قليلاً ربما كان مهندساً معمارياً!

لم يفصلني عن ذاك المشهد إلا مآل المعاينة، والتي أكدت وجود تعديلات جوهرية في المحرك من أجل زيادة السرعة! إنها الرحلة الأخيرة، ويشاء القدر أن يحجز هذا الشاب تذكرتها إلى العالم الآخر، وهل كان قاطعها لو كان يعلم أنها تذكرة الموت؟! هل كان سيجمع القطعة تلو القطعة لتركيب ذاك المارد السريع مستنزفاً بذلك حياته، ومن قبلها ماله وربما مال أبيه؟ كان بالإمكان مساءلته قانونياً لولا وفاته، وخوفي على ذاك القلب الذي أخاله انفطر ألماً! فؤاد سيدة لم يكن جزاؤها إلا الحسرة والألم، في ما بقي من العمر إن بقي منه شيء! وحسبي الخالق في أن يُكشف ذاك السواد العالق بأذهان البقية من الشباب، الذين يلهثون خلف سراب يفضي في نهايته إلى موت محقق، وفي آباء يقطعون تذاكر الموت لأبنائهم، وآخرين لا يرتد لهم طرف، إن كان الابن حاضراً أو غائباً أو حتى إن غيّبَ الموت ذكره!

المرحلة المقبلة تتطلب بذل جهود حثيثة من قبل الجميع وبلا استثناء، وأقصد بالجميع البيت من الآباء قبل الأمهات، عليهم أن يمارسوا دوراً رقابياً صارماً على سلوك الأبناء، خصوصاً من هم في سن المراهقة وتحديداً ذوي الستة عشر ربيعاً، حيث الفضول وحب اكتشاف الصالح والطالح سواء، وهنا لن ألوم المؤسسات العامة، فهي تؤدي دورها دون مجاملة لأي جهة، وأعتقد أنه لن يكون بمقدورها القيام بأدوار يفترض أداؤها من قبل الوالدين، وكذلك هناك دور حيوي للمدارس والجامعات في تخصيص جانب من المقرّرات التعليمية تؤسس لبناء ثقافة مرورية تستحضر مختلف الجوانب، بالإضافة إلى دور الإعلام في نقل الأحداث فور وقوعها وتصدرها العناوين بعيداً عن الإثارة، وبما يعود بالنفع والتنبيه إلى من يعنيه الأمر، شخصياً أتمنى أن يمارس الجميع دوره في إبراز حجم هذه المشكلة وإفرازاتها، ولا ينبغي التهاون على الإطلاق، حتى نُوقف نزف دماء أحبة لنا غالين على إماراتنا، والتي هي بحاجة إليهم ولو بعد حين، وأظن ذلك ليس ببعيد.

 

alfalasi.salah@gmail.com

طباعة