هل غادر الخطباء منابرهم

حمدان الشاعر

أين غابت خطبنا العصماء وألفاظنا الجزلة ومفرداتنا العظيمة، الكاشفة عن روح اللغة واتساعها! لقد حفل تاريخنا بأصحاب البيان من العرب الذين اشتهروا ببلاغة القول وفصاحة اللسان، والقدرة على أسر مستمعيهم بقوة اللفظ وتأثير الكلمة.. فكما كان الشعر ديواناً للعرب كان لبيانهم سحراً ذا دلالة على ذكاء المتحدث واستيعاب لنفسية من يخاطب، فلا ريب أن الإعجاز القرآني في اللغة جاء ليحاجج العرب في بلاغتهم، فيأسر أفئدتهم المعلقة بالشعر والحكمة.

الخطابة اليوم تعد ركناً ركيزاً في التفاعل مع المتلقي والتأثير فيه، فهي تهدف أساساً إلى التأثير المعنوي واللغوي عبر قوة في اللفظ وإيقاع في الصوت حتى تصل الفكرة فتقنع المستمع بها، وهذا ما جعل كثيراً من قادة اليوم يحرصون على انتقاء عباراتهم وألفاظهم، للوصول إلى أفئدة وعقول الجماهير، فهذا «باراك أوباما» يعد من الرؤساء المفوّهين الذين وصلوا إلى سدة الحكم بسبب خطابه المميز وعباراته البليغة، التي سجلت أكثر الكلمات تأثيراً في هذا العقد، فلا أحد ينسى مقولة «شجاعة الأمل» و«نعم نحن نستطيع»، وغيرها من العبارات التي استطاع بها إقناع جماهير عريضة في العالم، شرقه وغربه، بصدق خطابه. علماً بأن عبارة جورج بوش الابن «يمكنني سماعكم» التي ردّدها لدى زيارته ركام مركز التجارة العالمي إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد احتلت المرتبة الأولى كأكثر العبارات السياسية شيوعاً خلال العقد الماضي. والجميل هنا هو وجود جهات مختصة في مراقبة الكلام واللغة تقوم بالرصد والتحليل لمتابعة شيوع المفردات واستمراريتها، واعتبارها مثالاً على التغيير والتطور، فهذا الرصد يعكس الأهمية البالغة لقوة الكلمة وكيف يمكن لهذه اللغة أو الكائن الحي أن يكوّن فرصة زعامة أو اختلاف أو إقناع.

الخطابة هنا هي ما يميز رئيساً عن آخر، وأزعم أن الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر كان من الرؤساء الذين استطاعوا احتلال القلوب من المحيط إلى الخليج بخطابه المفوّه وبلاغته المؤثرة، علاوةً على كاريزميته المميزة.

لا تخلو السياسة أو الدبلوماسية أو حتى الإدارة من ذكاء استغلال اللغة في الوصول إلى الغايات، ففن التفاوض والإقناع يعتمد بشكل رئيس على إمكانات اللغة والقدرة على استخدام المفردة الصحيحة في مكان لزومها.

في زمن التردي القائم على نسف مفرداتنا الجميلة واستبدالها بتفاهات لفظية وتطويع اللغة لتشكل مسخاً من لهجات متنافرة، يجب التفكير ملياً في حاجتنا إلى إعادة النظر في ما نقرأ أو نسمع، حتى يعود للغتنا أنقها وتألقها على الدوام.

فن الخطابة لا يحتاجه الساسة فقط، بل الجميع، ليتمكن حب اللغة من القلب ومن تفاصيلنا اليومية، ولتتحول اللغة إلى شريك أساس في نجاحنا في هذه الحياة.

 

hkshaer@dm.gov.ae

طباعة