حول أزمة ديون دبي وموقف الصحافة الغربية

عبدالحميد أحمد

السعار هو الوصف الوحيد الذي رأيتهُ مناسباً لحالة الصحافة الغربية، وتحديداً البريطانية منها، وهي تتناول وتركز اهتمامها أخيراً على أزمة ديون دبي، ولولا استثناءات قليلة، منها صحيفة الفايننشال تايمز الرصينة، التي تناولت الأزمة بشيء من الصدقية، لأصبح القول إن الصحافة البريطانية في أزمة، هي أزمة أخلاق وأزمة مهنة.

ونحن لا نتحدث هنا عن صحف نقلت الأخبار لقرائها كما وردت من المصادر كما تقتضي المهنة، بل عن الصحف التي فتحت نيران مدافع كتابها وقرائها للنيل من سمعة دبي والامارات وحكامها ومن كل ما يتعلق ببلادنا، عن طريق تحليلات غير دقيقة وتعليقات أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مسعورة، لسبب لا ندريه، على الرغم من تأكيدات مسؤولين دوليين في منظمات اقتصادية ورجال بنوك بريطانيين أن ازمة ديون دبي ليست بذات الاتساع الذي تعجز دبي ويعجز اقتصاد الامارات عن معالجته، إلا أن هذه الصحف المسعورة تجاهلت هذه الآراء ومضت في طريقها، طريق شن الحملات غير الموضوعية والمتحاملة، والتي أظهرت وكأن لديها أجندة سياسية ضد بلادنا، ذكرت البعض منا بالماضي الاستعماري الذي لايزال بعض ممن يعيش «أحلامه» من الصحافيين الغربيين ومن يقف وراءهم، لايستطيع أن يرى أو يصدق أن دولاً ناشئة صارت لاعباً دولياً، وأنها استطاعت حجز مقاعد لها في قائمة الكبار، وهو ما جرى سابقاً مع النمور الآسيوية خلال السبعينات والثمانينات، التي صارت اقتصاداتها أقوى من اقتصادات كثير من البلدان الغربية نفسها.

المهم أن هذا النوع من الصحافة، الذي يبدو أنه يتحول الى صحافة صفراء بالابتعاد عن المهنية، لايرى من الجمل غير «سنامه»، وإلا فإن أزمة ديون دبي لاتعد أزمة كبيرة بالمقارنة بأزمات ديون دول أخرى، فالعالم كله يعرف مثلاً ان ديون لوكسمبورغ الخارجية فقط تبلغ تريليوني دولار، وديون إسبانيا تبلغ 2.3 تريليون، وديون إيطاليا مثلها، بينما تبلغ ديون ايرلندا وهولندا 2.4 تريليون دولار و2.5 تريليون دولار على التوالي، فيما تقفز ديون فرنسا والمانيا الى 4.94 تريليونات دولار و5.2 تريليونات دولار على التوالي، أما المملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تهاجم صحفهما الإمارات واقتصادها، فتبلغ ديونهما على التوالي تسعة تريليونات دولار و13.75 تريليون دولار.

أما الإمارات التي تشن الصحف الغربية هجوماً غير مسبوق عليها فتأتي في المرتبة 33 على قائمة الدول المدينة بنحو 135 مليار دولار،(مليار وليس تريليون) حسب مصادر اقتصادية واستخباراتية ومنها جهاز الـ CIA، وتقدر هذه المصادر نفسها الناتج المحلي الإجمالي للدولة في العام 2008 بـ100 مليار دولار، مايعني أن ديون الامارات ومنها ديون دبي، لاتشكل أزمة كبيرة، بالمقارنة مع ديون غيرها من الدول، وأن الناتج المحلي الإجمالي قادر على الوفاء بالالتزامات أكثر من الناتج المحلي الإجمالي لغيرها، كما أن كثيراً من الدول ديونها سيادية، وبعضها يقف عاجزاً حتى اليوم عن سداد هذه الديون كالولايات المتحدة نفسها والمملكة المتحدة، وهناك دول أخرى توقفت عن سداد ديونها وتكتفي بسداد خدمة الدين فقط، ذلك لأن اقتصادها أعجز من أن يسدد الديون. هذه الحقائق وغيرها، تجاهلتها الصحف المسعورة إياها، وتجاهلت معها مكامن القوة في اقتصاد الامارات واقتصاد دبي، من حقيقة كوننا بلداً نفطياً يدر علينا النفط مداخيل ضخمة تسمح بالوفاء بالتزاماتنا والاستمرار في عمليات التنمية، الى حقيقة أننا نملك من الأصول والاستثمارات والبنى التحتية والمقومات الأخرى ما يجعلنا في وضع أفضل بكثير من غيرنا من الدول العاجزة.

وعليه فالهجوم المسعور على دبي واقتصادها وعلى الإمارات ليس موثقاً بالحقائق وليس مدعوماً بالأرقام والوقائع، بقدر ما هو هجوم يتخذ طابعاً سياسياً، وزادت عليه الصحف المسعورة طابعاً غوغائياً عن طريق كتّاب ومعلقين لم يراجعوا مقالاتهم بعد كتابتها للتدقيق ولا فتشوا في دفاتر الوقائع والأرقام قبل كتابتها. ولكي لا يُساء فهم هذه المقالة، فإننا لاندّعي أن الأوضاع الاقتصادية في الامارات عموماً ودبي خصوصاً على ما يرام، وأن ليس هناك أزمة، فنحن جزء من الاقتصاد العالمي، خصوصاً لجهة ان اقتصادنا خلال السنوات الماضية صار أكثر ارتباطاً واندماجاً بالاقتصاد العالمي، مما يستتبع معه إصابتنا بالأمراض التي تصيب هذا الاقتصاد، لكننا ضد التهويل الذي رأيناه في الصحف الغربية وضد التشكيك في إمكانات حل أزمتنا المالية على النحو الذي لا تزال تنفث سمومه هذه الصحف المسعورة.

ولا نعرف ماذا ستقول هذه الصحف نفسها لو أن دبي والامارات، على سبيل المثال تعلن عن وقف سداد ديونها كما فعلت وتفعل دول أخرى واقتصادات أخرى؟ أو أن شركاتها المدينة أعلنت إفلاسها وطلبت من دائنيها، من شركات وبنوك وأفراد، ضرب رؤوسهم بالحائط، وتحمّل الخسائرمعها، بعد أن جنت الأرباح من ورائها في وقت الطفرة، على النحو الذي فعلته وتفعله الى اليوم بنوك وشركات أميركية وبريطانية، وعلى النحو الذي يسير عليه الاقتصاد الرأسمالي ويعتبر جزءاً من آلياته وقوانينه وطبيعته. هل تريد هذه الصحف الغربية والبريطانية تحديداً، أو من يقف وراءها، تقاسم الكعكة معنا والتمتع بخيراتنا وجني الأرباح من ورائنا ومن مشروعاتنا في أوقات الرخاء كما فعلت سابقاً مع الازدهار الذي شهده اقتصادنا قبل الأزمة المالية العالمية، ثم تسحب نفسها اليوم ولاتشاركنا الغرم والخسارة؟ مجرد سؤال لا أكثر!
   


❊ رئيس تحرير «غلف نيوز»

طباعة