حديث المؤامرة

خالد محمود

أعاد حادث الطائرة الأميركية التي شرع في نسفها النيجيري عمرعبدالمطلب في 26 ديسمبر الماضي، وهي متجهة إلى ديترويت، أجواء الحادي عشر من سبتمبر 2001 ،وروّج الحادث مجدداً للقصة التي دوماً ما تلقى هوى هنا في المنطقة بغض النظر عن صحتها: نظرية المؤامرة.

فطبقاً لموقع «وورلد سوشيالست» في تحليل ختم به اليوم الأخير لـ2009 ،فإن دلائل تتوافر الآن على أن الرحلة رقم 253 ،التي كانت متجهة من أمستردام إلى ديترويت أحاطتها ظروف مريبة أميركياً، وأن ما حدث من تمكن عمر عبدالمطلب من الإفلات من الإجراءات مردّه التواطؤ وليس الإهمال، وأنه لم يكن سوى أداة في لعبة ضخمة لم تتضح كل تفاصيلها بعد.

تتصدر الأدلة التي تستند إليها «وورلد سوشيالست»، الزيارة الغامضة التي قام بها الحاج عبدالمطلب -والد عمر- وهو مصرفي ومسؤول حكومي نيجيري سابق منذ شهر إلى مبنى السفارة الأميركية بنيجيريا، وتحذيره هناك مسؤولي المخابرات المركزية الأميركية من تورط ابنه في تنظيم القاعدة باليمن، ثم مخاطبته هاتفياً مرتين بعد ذلك لمسؤولين في السفارة عن تطورات في الآمر ذاته. كذلك يضاف إلى القصة -طبقاً لما ذكره الموقع الراديكالي- ما رواه شهود عيان وركاب من دفع عبدالمطلب ثمن التذكرة (2800 دولار) نقداً في الدقائق الأخيرة قبيل إقلاع الطائرة، وعن وجود شخص آسيوي غامض معه قال لمندوب «نورث ويست إيرلاين» إن« المطلوب تسفير عبدالمطلب دون جواز سفر»،- وهي عبارة تضع رتوشاً كثيرة حول خطورة هذا الآسيوي المفترض.

على أية حال، فقد افتتح أوكازيون الروايات -والتي ستتضاعف ولو بالتكاثر الطبيعي لمتعة النميمة- وفي أيام 11 سبتمبر سمعنا قصصاً لو رويت في العصور الوسطى لأسست ملاحم واعتقادات، منها ما هو رهن الدراسة إلى اليوم، ومنها ما لا يصدقه عقل مثل قصة أخذ 5000 يهودي لإجازة يوم الكارثة، والذي اتضح أن وراءها وكالة أنباء عربية «تفبرك» حتى درجات الحرارة.

على أي، فإن الأخطر في حديث مؤامرة اليوم ليس الجنائي، فهذا يخص الجيوش المجيشة من الأجهزة والوكالات، وإنما ما يتمدى خلف الجنائي- من سياسي.. فالخلاف مثلاً بين الرئيس الأميركي باراك أوباما من جهة وخصومه الجمهوريين وصقور بالبنتاغون من جهة أخرى لم يعد خافياً على أحد، وأمير أمراء الحرب ديك تشيني لم يتورع قبيل أيام من شن هجوم علني، قال فيه إن «الحرب على الإرهاب لم تنته بعد، وحين يقول أوباما إنها انتهت فإنه يعرض أميركا للخطر».

على مستوى ثالث، فإن الفتح الفجائي وفي الوقت بدل الضائع لعام 2009 لجبهة جديدة في الحرب على القاعدة- وقاعدة اليمن بالتحديد التي جاء منها عبدالمطلب- تضع أكثر من علامة استفهام.

من ثم، فإن استنتاج انطلاق «هجمة مرتدة» من المحافظين الجدد تجاه أوباما بغية تحجيمه أو حتى الوصول إلى منع إعادة انتخابه مرة ثانية استنتاج أقرب للطبيعي. في قصة طائرة ديترويت، الجنائي والسياسي تعانقا في رقصة إخراج لسان. ولا يبدو أمام رافضي حديث المؤامرة سوى تكرار ما فعله «جحا» يوماً عندما استهجن في البداية قصة عن وليمة اخترعها من خياله، ثم ركض إليها عندما جرى إليها كل سكان القرية. الفارق البسيط، أننا لا نملك حق إخراج قصص الولائم، ولا نملك أيضاً الصمت، نملك فقط حق الركض دون توقف.

 

alayak2005@yahoo.com

طباعة