استباحة الروح الرياضية

سلمان الدوسري

لا أملك إلاّ أن أرفع عقالي للاعبي الإمارات وقطر، الذين تساموا عن «حرب» إعلامية متبادلة وغير مسبوقة شنتها قنوات فضائية «حكومية» للأسف من البلدين، فخرجوا بمباراة نظيفة مثالية يستحقون معها أن نقدم لهم شكرنا وتقديرنا لعدم تصعيد الموقف أكثر مما أصبح عليه.

وليس اللاعبون فقط من نقدم شكرنا إليهم، ولكن أيضاً للإعلام المحترم من البلدين، وأعني الإعلام المقروء، الذي لم يدخل في تلك الحرب، وحافظ على موضوعيته، التي نتجت في الأخير تخفيف ما صاحب الدورة من توتر لم يكن له مبرر.

غير أن ما أفرزته المناوشات الإعلامية، وسقوط مريع للبعض منها، أكد من جديد سهولة استفزاز الشعوب الخليجية، ومن باب الرياضة تحديداً، ولو عدنا إلى توتر العلاقة بين دول الخليج، لوجدنا للرياضة نصيب الأسد منها، ما حدث من حساسية مفرطة لسنوات عدة بين السعوديين والكويتيين أو القطريين والبحرينيين، والآن بين الإماراتيين والعمانيين، كانت الرياضة، ودورات الخليج تحديداً، هي السبب الوحيد لها.

الأكيد أن ما يوتّر العلاقات الخليجية الخليجية، في جزء كبير منها، هو طريقة تناول وسائل الإعلام ذاتها، فتجد البعض منها، وبداعي الإثارة، يشحن مواطني بلده، وينال بأسلوب غير مهذب من مواطني الدولة الأخرى. يطلق الكلمة ويمضي وهو لا يعي أنه أشعل فتيل فتنة، لا أحد يعلم متى تنطفئ، فعلى سبيل المثال من يصدق أن العلاقات المتميزة بين الشعبين الإماراتي والعماني، تتحول إلى تكسير سيارات واعتداءات بلا مبرر، بسبب مناوشات إعلامية ما أنزل الله بها من سلطان؟

يبقى التعاطي الإعلامي هو الأساس الذي يحرك مشاعر هؤلاء المشجعين، ومن المحزن أن نرى من يشعل فتيل الأزمات ويصب الزيت على النار، بعيداً جداً عن موقع المسؤولية، بل من المعيب أن يندفع البعض إلى التجريح، ليس لخصومهم فحسب، بل لوسيلة الإعلام التي ينتمون لها، وبالتالي للدولة التي تملكها. هناك فرق بين وسيلة إعلامية خاصة، وبين أخرى مملوكة لحكومة خليجية، فما يخرج من الأخيرة لن يمر مرور الكرام، وسيسجل وكأنه موجّه عمداً، بينما الحقيقة أن هناك أشخاصاً يهرفون بما لا يعرفون، فإذا وقعت الواقعة وحدثت الخصومة بفعل أيديهم، تواروا عن الأنظار وكأنهم غير مسؤولين، أبداً، عمّا جنته أيديهم!

التكاتف الخليجي، وأنا وابن عمي على الغريب، و«أنا الخليجي»، ما هي إلاّ شعارات لا مكان لها من الإعراب، وستتلاشى في عقول وأذهان الخليجيين أنفسهم. والغريب أنك تجد أن مسببات هذا الاحتقان هي «لعبة» رياضية، كان من المفترض أن تجمع ولا تفرّق، فغدت أداة للفتنة ووسيلة للبغضاء، فخرجت الرياضة عن إطارها، ووجدنا اللاعبين يطبقون شعار اللعب النظيف بكل تفاصيله، فيما من يفترض أنهم العقلاء، سدّدوا ضربة قاصمة للروح الرياضية.. ويا لها من ضربة قاضية!

ssalmand@gmail.com



 

طباعة