آن الأوان

حمدان الشاعر

يصعب الحديث عن أي شيء آخر غير غزة، ويصعب أحياناً التفكير في أمور أخرى خلاف ما يحدث في غزة، فالذهاب نحو قضايا الحياة المتعددة نوع من الخيانة، خيانة للشهداء وخيانة للقضية الأسمى، وكأن انسياب تفاصيل الحياة اليومية تحت وابل أخبار الموت ومشاهد الدمار شيء بلا معنى ولا نسق.

غزة تبكينا كل يوم، كل ليلة، بل كل ساعة، وتذكرنا بهزيمة ٥٠ عاماً ومثلها من الخيبات والنكسات، في الوقت الذي نتساءل فيه عن قدرة الشعوب على أن يكون لها دور ولو كان هامشياً، وهنا مكمن السؤال والهزيمة، إعلان أن الشعوب عاجزة ومقهورة، وهذا العجز أوصلنا إلى تخوم الانسحاب إلى ذواتنا، وحدنا نبحث عن أي مشجب قريب نلقي عليه همنا وقهرنا وهروبنا.

في الوقت الذي يصمد فيه شعب غزة ويرفض الترجل عن فرس الكرامة، نتساءل نحن من أين له بكل هذه القوة وهذا الصمود في وجه ثالث أقوى قوة عسكرية في العالم. لسنا شعوباً خائفة، وليس صحيحاً أن الاستسلام لغة لا نعرف سواها، بل هي أوهام زرعت في مناماتنا لنصحو كل نهار نرددها ونصدقها ثم نطبقها، ورغم أن الشعوب العربية مشغولة بكراهية بعضها بعضاً، ومشغولة برغيف الخبز وتكاليف الحياة ووطأة العيش، فهي مازالت قادرة على أن تحتج وترفض إبادة شعب غزة، فهذه التظاهرات والمسيرات التي تجتاح العالم بأسره كلها تقول إن ضمير الشعوب لم يمت، وإننا لسنا شعوباً مستضعفة، بل ربما كنا شعوباً مستغَلّة ومؤجلة وهامشية في حسابات الكبار، وأن الحق تتقد جذوته يوماً بعد آخر، رغم أنف شهوة القتل والدمار لدى أعدائنا.

لا نريد رثاءً من أحد، يكفي بوش رثاؤه قطته السوداء المدللة «إنديا» وصمته عن مقتل مئات الأطفال والنساء بآلات القتل الأميركية، ويكفي شهداءنا نعيم جنة الخلد.

ربما غلبت الكثرة شجاعة بواسل غزة، لكنها كثرة الغث التي سرعان

ما ستذهب هباءً وسيبقى الانتصار هو الحقيقة الراسخة مهما طال الزمن.
طباعة