إسرائيل الطيبة

سلمان الدوسري

«الإسرائيليون طيبون».. هكذا فاجأني صديق بوصفه لقرار الحكومة الإسرائيلية أمس بتعليق إطلاق النار على غزة لمدة ثلاث ساعات يومياً، أما مردّ هذه الطيبة التي أسبغها صاحبنا على الإسرائيليين، فبررها بالقول «إننا، كعرب، ننسى ما ينبغي لنا أن نقوم به، فننتظر من خصومنا أن يساعدونا على ما نحن عاجزين عنه.. وهذا ما تقوم به إسرائيل».

غني عن القول ان الطيبة الاسرائيلية التي تحدث عنها هذا الصديق، هي من نوع السخرية الصارخة من الأحداث الجارية حولنا، فالأحداث ذاتها تتوالى على الشارع العربي منذ عقود، وهذا الشارع يعلق آماله على غيره، بينما هو في الحقيقة لم يقم بأدنى ما يمكن القيام به. دع عنك التنظير والصراخ على الفضائيات والشتم والنياح والردح، كل هذا سيذهب سريعاً بعد أن تنتهي اسرائيل من حربها على غزة، ويستشهد مئات الأبرياء، وتهدم بنية تحتية هي أساساً مهترئة ولا تفي بالحاجة، لكن ابحث عن حلول عملية تفي بالحد الأدنى من الاستفادة من تجارب سابقة، فستكتشف أنها غير موجودة على الإطلاق، وستنتهي هذه الاعتداءات، كما انتهت تلك التي قبلها، دون أي بارقة أمل من تغير حقيقي في الواقع العربي.

هنا ينبغي التذكير أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتعاطف الغرب، وهو الجانب الأقوى في المعادلة الذي بإمكانه التأثير في مثل هذه الحرب وإيقافها، طالما أن العرب منقسمون على أنفسهم، أما انقسام العرب ما بين مناصرين لحماس، ومؤيدين للسلطة الفلسطينية، فهو أمر طبيعي، مادام الفلسطينيون أنفسهم منقسمين في كيانين منفصلين.

أيضاً انقسم العرب، كعادتهم، إلى قسمين، أحدهما يصر على عقد قمة عربية، والآخر لا يرى مبرراً لعقدها في هذه الفترة. للمفارقة أن الشارع العربي ذاته الذي ينادي بعقد هذه القمة، يمكن القول إن ردة فعله معروفة سلفاً، فإن عقدت القمة ونددت وطالبت القوى الكبرى بتحمل مسؤولياتها، وهذا أقصى ما تستطيع القمة فعله، استهزأ الشارع بالقمة وبنتائجها، وإن لم تعقد القمة، عاد القوم نفسهم، للاستهزاء ثانية بأن العرب لا يمكن لهم حتى عقد قمة في مثل هذه الظروف.

للتذكير فقط أن المقاومة لا تكون عسكرية فقط، على الرغم من أننا لا نملك أدواتها أصلاً، فهناك المقاومة الاقتصادية، كما فعلت اليابان مع الولايات المتحدة، وهناك المقاومة السلمية، كما فعل غاندي، وهناك المقاومة الثقافية. لكن أياً من هذه لم يبدأ العرب فيها أصلاً، لأنهم ببساطة لم يفكروا بها، يبحثون عن أقصر الطرق، ولا يوجد لديهم خارطة طريق أصلاً، فيعودون للضياع، ويتوقعون من عدوهم أن يرأف بهم، وهم لم يرأفوا بحالهم.
طباعة