مجرة الحبّ والشعر

كثيرة هي الحالات الإبداعية التي كان الحب فرناً صيغت فيه، وكثيرة هي الأعمال المدهشة التي كان أساسها الحب، وكثيرة هي البهجة التي «يدلقها» الحب في أرواحنا. وكما أننا نشعر برعشة الشعر، كذلك نحس بهزة الحب، على الرغم من أننا لا نقوى على الوصول إلى معنى محدّد لكل من الحب والشعر. 

نرى زهرة تتفتح في حجر، فنصاب بدهشة قصيدة برية، كتبتها الطبيعة في لحظة من لحظات تجلياتها. ونصغي إلى حفيف شجرة في سفح جبل فتحملنا الدهشة إلى متعة غامضة. ونجلس على صخرة قبالة بحر فترشقنا الأمواج بقصيدة من زبد وأبد.

هكذا يفعل الحب بنا، يزلزلنا كلّما لمست شرارته المتجددة أرواحنا، ويغسل غباراً تراكم بفعل انهماكنا بما هو يومي تماماً. وكما تفتح «الشتوة» الأولى حواسنا على غبطة ماثلة خلف باب، كذلك يفتح الحب بيت القلب والنشيد.

كثيرة هي القصائد التي تدفقت من مجرة الحب، وكثير هو الغموض اللذيذ الذي ينداح من قرص الوقت. وما حياة الشاعرة الإغريقية سافو إلا حالة في كتاب الحب، حتى إنها عبرت عما اختبرته روحها بقولها: 
«لم يكن ليخطر لي أنني سألمس السماء بيدي».
يا للدهشة المباغتة، التي لا نصل إلى تعريف محدد لماهية مصدرها. إنه الشعر المتقطر من قرص عسل. 

تلك الشاعرة التي توفيت في عام 580 قبل الميلاد، تسكب في أرواحنا متعة كما لو كنا نتذوقها للمرة الأولى. تلك الشاعرة التي كان الحب ديدنها، وحبلها السري لم ينقطع مع الطبيعة والتأمل والإبداع، هي التي ألهمت الشاعر أوفيد بعض نصوصه.

ورغم ما أثير حول سافو من أقاويل، إلا أن الحب كان يمدها بطاقة واجهت بها كل من وقف في طريق إبداعها الحياتي والشعري، حتى إن أفلاطون اعتبرها «عاشرة ربات الفنون والآداب التسع».

الحب فرن سافو الذي صاغت فيه حياتها وجنونها، حتى وصلت إلينا قصائد لها متوهجة، على الرغم من مرور نحو 2600 سنة. وهي التي قالت:

«على الرغــم من أنها ليــست سوى أنفـاس، فإن الكلمـات التي تصـدر عني  أبدية».  كأن سافو كانت تدري أن قصائد لها ستواصل حياتها بعدها، لتدهش قارئاً في القرن الحادي والعشرين، كما سترشق نافذة عاشقة بضوء أزرق في ليل بعيد. 

وعلى الرغم من أن كثيراً من كتاباتها تاهت في ثنايا العصور، إلا أن ما وصل إلينا من قصائدها كفيل بإيقاظ حجر في بئر. وهذا ما باح به كتاب ترجمه الشاعر طاهر رياض والدكتورة أمينة أمين بعنوان «لا العسل تشتهيه نفسي ولا النحل»، صدر عن «دار كنعان» في دمشق، ويضم قصائد لسافو التي أنشأت ما يشبه معهداً لتدريب فتيات على الفنون وتضفير الأكاليل وعقود الورد. وكان الحب بوصلتها دائماً، فهي التي قالت: «ما من زهرة تتفتح في الربيع من دون أغنية»، فكان الحب أغنيتها ليتفتح الزهر في الروح والمكان. وهي القائلة: «دونما إنذار، ومثل عصف الريح بالبلوط، يرنّح الحب قلبي».  


ali.alameri@emaratalyoum.com  

طباعة