ألهمت الشعراء ومنها أطلقت أبرز الخطب السياسية.. «الشرفات» فسحة التعبير في ظل «كورونا»

صممت الشرفات منذ قديم الزمن لتأسر الجماهير وتلهمها، وشكلت الشرفات عنصراً أساسياً في الهندسة المعمارية منذ آلاف السنين، وتطورت أدوارها للتكيف مع الثقافات والعادات المحلية على مر القرون، فمن شرفة قصر في فيرونا الإيطالية، أطلت جولييت على روميو في قصة الكاتب وليام شكسبير، وعلى شرفة في كيب تاون نظر نيلسون مانديلا للجماهير، ووعد بفصل جديد في تاريخ جنوب إفريقيا.

واكتسبت الشرفات أهمية جديدة وسط جائحة «كوفيد-19»، فمنذ إعلان الحظر والإغلاق في مختلف أنحاء العالم لإبطاء انتشار الفيروس، أعاد الناس اكتشاف الشرفات كحلقة وصل مع العالم الخارجي ومصدر أمل واتصال في وقت العزلة القسرية.

ولجأ الملايين حول العالم من مدريد إلى مومباي، ومن شيكاغو إلى تشجيانغ، وهامبورغ إلى الإسكندرية، إلى شرفاتهم لغناء النشيد الوطني في انسجام تام، وإطلاق الألعاب النارية، والتصفيق للعاملين الطبيين، في محاولة لتعزيز الروح المعنوية الجماعية للبلاد.

تاريخ الشرفات

يرجع تاريخ الشرفات إلى 3000 قبل الميلاد في إيران، حيث بنى القدماء حواجز متدلية لتظليل الشارع من الشمس الحارقة، وبحلول عام 1400 قبل الميلاد يعتقد العديد من المؤرخين أن الميسينيين قد بدأوا في بناء الشرفات في ما يعرف الآن باليونان لغرض معاكس، وهو زيادة الضوء الطبيعي والتهوية.

في مصر القديمة صممت شرفات القصر لتكون مسرحاً للقادة للظهور، وفي روما القديمة كانت واحدة من أقدم الشرفات منصة  Maenianum" في الهواء الطلق للأباطرة وأعضاء مجلس الشيوخ لمشاهدة المصارعين يتنافسون في الكولوسيوم، وقبل بداية الحرب العالمية الثانية مباشرة أعلن أدولف هتلر ضم النمسا من شرفة القصر الإمبراطوري في فيينا، وبعد سبع سنوات انضم وينستون تشرشل إلى العائلة المالكة البريطانية على الشرفة في قصر باكنغهام للاحتفال بنهاية الحرب.

مع تطور الشرفات، أصبحت تصميماتها أكثر تفصيلاً، فابتداءً من العصور الوسطى، تم بناء شرفات مشربية مغلقة بتصاميم شبكية مزخرفة في معظم أنحاء العالم العربي، للسماح للمقيمين بالاستمتاع بالفسحة مع الالتزام بقوانين الخصوصية الإسلامية، وفي عصر النهضة زودت الشرفات بحواف الدرابزين في العديد من المباني الإيطالية، بعد أن كشف المهندس المعماري دوناتو برامانتي عن تصميم قصره كابريني المحاصر في روما.

واشتهرت البندقية على وجه الخصوص بشرفاتها العديدة، حيث بحث المهندسون المعماريون عن طرق لتوفير الوصول إلى الهواء النقي في مدينة ضيقة.

وفي القرن التاسع عشر، شهدت أوروبا فترة من التحضر المتسارع، وأصبحت الشرفات فيما بعد رمزاً لنمط الحياة الحضري الحديث، فألهمت العديد من الكتاب والشعراء والفنانين.

واعتبرت الشرفات مساحة لإطلاق التغيير السياسي، فخلال حرب الاستقلال الجزائرية مع فرنسا في الخمسينات والستينات، أصبحت الشرفات منصة الاحتجاجات الجماهيرية المستقلة، بعد أن حظرت الحكومة التجمعات العامة.

اليوم وفي ظل الحجر الصحي الذي يعيشه العالم، أعاد الناس اكتشاف الشرفات كمتنفس بديل عن الخروج من المنزل، ومساحة اجتماعية للتواصل، وفسحة لتعزيز الاحساس بالانتماء بين أفراد المجتمع.

طباعة